فترد الجميع إلى حقائقها . فلو كانت النفس لا تعلم المعقول والمحسوس بقوة واحدة لما علمت الفرق بينهما ولما ردت الجميع إلى امر واحد تجمعه وتحكم فيه حكما واحدا ، ثم نعود فنقول : ان النفس الناطقة تدرك الأمور المعقولة بغير النحو الذي به تدرك الأمور المحسوسة ، وذلك انها إذا طلبت الأمور المعقولة انبسطت ورجعت إلى ذاتها كأنها تطلب شيئا هو عندها . وإذا طلبت الأمور المحسوسة خرجت عن ذاتها كأنها تلتمس شيئا خارجا عنها إلى آلة تتوصل بها إلى مطلوبها .
وان وجدت الآلة صحيحة استعملته ، وأدركت الأمور الخارجة ، ثم حصلت صورتها عندها في الوهم وان لم تجد ذلك ، كالاكمه فإنه لا يمكنه ان يتصور الألوان لأنه لم يجد آلتها ، وإذا لم يدركها من خارج لم يمكنه تحصيلها عنده في وهمه ، وليس ذلك حالها في المعقولات ، فأما المثال على ما ذكرناه من أن النفس إذا طلبت الأمور المعقولة رجعت إلى ذاتها فهو ان الانسان إذا همّ بتحصيل رأي بديع أو فكّر في عاقبة أو أراد استخراج علم عويص خلد بنفسه ، وابعد جميع المحسوسات عنه ، وكره ان يشغله شيء من الحواس ، واجتهد في تعطيلها كلها ، فتتداخل نفسه حينئذ وتنبسط انبساط الراجع إلى ذاته ، فتدرك ما يلتمسه من ذلك المعنى بحسب قوتها في الانبساط وخلوّها من عوارض الوهم الذي فيه صور المحسوسات فإنها عائقة للنفس عن الرجوع إلى ذاتها والنظر فيما هو عندها وفي خزائنها .
وهذه الحال في النفس هي حركة مّا ، اعني الجولان في الطلب وهو الذي يسمى رؤية وهو الالتجاء إلى العقل والعقل فيه جميع الأشياء
الفوز الأصغر — صفحة 45
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٤٥