الفصل الثالث في كيفية ادارك النفس للمدركات المختلفة وهل ذلك منها باجزاء كثيرة أم بأنحاء مختلفة أم هناك مدركات بعدد المركبات
اما انه ليس للنفس اجزاء كأجزاء الجسم فهو بيّن مما قدمناه ، وذلك ان التجزي والانقسام انما يكون للجسم . واما انه لا ينبغي أن تكون المدركات بعدد المركبات فهو ظاهر أيضا وذلك ان الحاكم ، في جميعها واحد ، لأن شيئا واحدا في الانسان يحكم في الصغير انه صغير وفي الكبير انه كبير ، وهو الحاكم في الألوان والاشكال والطعوم والروائح وفي الأشياء المساوية لشيء واحد بعينه هو انها متساوية ، ولو كان المدركون مختلفين لما صح انه يحكم واحد منها على ما ادركه الآخر . فاما ظنّ من ظن أن النفس واحدة ولكنها تدرك المدركات الكثيرة المختلفة بقوى كثيرة وبأنحاء مختلفة فهو موضع البحث وسننظر فيه فنقول : ان بعض الناس لما نظر في الأمور الموجودة فرأى منها مركبة ومنها بسيطة ، ونظر في الآلات والقوة المدركة فوجد أيضا بعضها مركبة وبعضها بسيطة ، حكم بان المركبة تدرك المركب والبسيطة تدرك البسيطة .
ومثل ذلك بان قال وجدت من المركبات المدركات ما هو كالحواس لا تدرك الا المركبات فان العين لما كانت مركبة من قوة باصرة في آلات وطبقات من العين لا تتم الا باجتماعها أدركت من الأمور المركبة من الاستقصات بالمزاجات المختلفة ، ووجدت أيضا من