راسخة في نفوسنا بالأوهام التي هي تابعة للحواس . فإذا أردنا ان ننظر في المعنى العقلي لندركه عارضتنا تلك الصور الحسية في أوهامنا لغلبتها علينا وإلفنا لها ، فلم تدعنا وما نرومه من ذلك .
ولأجل ذلك إذا هممنا بادراك العقل نفسه أو النفس الناطقة أو غيرها من الأمور المفارقة للمادة لم نتمكن من ذلك إلا بأن نتصور ونتوهم حالا جسمانية أو صورا طبيعية مما الفناه واعتدناه ، وكذلك تكون حالنا إذا أردنا ان ننظر فيما بعد ذلك وهي كرة الفلك التاسع اعني جرم الكل هل هناك خلا أم ملا ، فان النظر البرهاني يوجب ان ليس هناك خلا ولا ملا ، إلّا ان تصور ذلك صعب علينا لما ذكرته ، فنحن نعالج أنفسنا في تحصيل ذلك فلا تكاد تذعن به مع ايجاب العقل إياه . وهذه حالنا في تصور أشياء كثيرة تجري هذا المجرى وذلك كله لانطباعنا بالحس والفنا إياه منذ مبدأ كوننا . فإذا ارتضنا بالرياضات ، وتعالجنا بما يفتح عيون عقولنا ، وادمنا النظر إلى المعقولات حتى نألفها ، وانقطعنا عن الحس بقدر الامكان ظهر لنا شرف المعقولات وفضلها على المحسوسات ، وظهر لنا ظهورا بيّنا ان المحسوس عند العقل بمنزلة الشيء المموّه عند الشيء المحقق . وذلك ان الحواس كلها وان كانت تدرك محسوساتها بلا زمان ولا تمويه ، فإن تلك المحسوسات كلها متبدلة سيالة لا تلبث على حال واحدة ولا قدرا يسيرا من الزمان لأنها ذوات هيولى تتفاضل بالأقل والأكثر والأشد والأضعف ، وتتغير بأنواع الحركات ، فإذا أدرك الحس شيئا منها فظن أنه قد حصله لم يلبث ان يتبدل ويتغير عما كان عليه ،
الفوز الأصغر — صفحة 14
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص١٤