المسألة الأولى في النفس وأصولها
الفصل الأول في أن هذا المطلوب صعب جدا من وجه سهل جدا من وجه
وذلك ان مطلوبنا هذا من أصعب الأشياء وابعدها عن العادات وأقصاها ، وهو مع ذلك اظهر الأشياء واجلاها وأوضحها وأبينها ولكن بوجه دون وجه . اما ظهوره فمن قبل الحق نفسه لأنه نيّر . واما غموضه فلأجل ضعف عقولنا وعجزها وكلالها . وقد ضرب الحكيم لهذا مثلا فقال : « ان العقل يلحقه من الكلال إذا نظر إلى الحق الأول ما يلحق عيون الخفّاش إذا نظر إلى الشمس » .
ولذلك درج أبناء الحكمة إلى هذا المطلوب وراضهم بالرياضات وعالجهم بالعلاجات حتى أمكنهم ان يلحظوه بنحو ما يستطيع المخلوق ان يلحظ إلى خالقه ، ولا سبيل إلى هذا النظر إلا بهذا الوجه وهذه الطريقة من التدريج والارتياض . وقد ظن كثير من الناس ان الحكماء ستروا هذا الامر عن الناس وكتموه ضنا وبخلا ، وليس الامر كذلك ، بل الصورة على ما ذكره الحكيم في المثل الذي ضربه . فلا بدّ اذن على ما ذكر من الترقي فيه من أسفل إلى فوق والصبر على الدرجات التي بين الحضيض والذروة كما سنورده على