قال : أيها الملك ! جدّ في الجهاد ولقد كان « 1 » حذرا مستعدا .
قال : ما بلغ جده ؟
قال : عينه لا تسكن ولا تطرف ؛ ولسانه لا يفتر ؛ الدنيا عنده كالقيح « 2 » والدم .
قال : كيف عمل في الرعية بعدى ؟
قال : أنار القلوب المظلمة في الصدور الخربة ، وكنز فيها الحكمة ، وأمات فيها الجهالة .
قال : فما لباسه الظاهر ؟
قال : الزهد في الدنيا والامتناع من شهواتها .
قال : فما لباسه الباطن ؟
قال : الفكر الطويل والتعجب الدائم .
قال : وممن « 3 » ذاك ؟
قال : من أهل الدنيا كيف اغتروا بها ، ومن أهل التجربة كيف وثقوا بها .
قال : فمن أيهما « 4 » كان أشد تعجبا ؟
قال : من مصروعها كيف عاودها ، ومن مسلوبها كيف راجعها ، وممن مات أبوه كيف رجا البقاء ، ومن غنيها كيف فرح بما ليس له ، ومن فقيرها كيف حزن على فوت ما يشقى به الغنى .
قال : فمن أيهما كان أشد تعجبا ؟
قال : من جميعهما « 5 » سواء ؛ وذلك أن هذا فرح بما ليس له ، وهذا حزن على فوت ما يشقى به الغنى كيف لم پنله ، فأحب أن يثقل ظهره وهو خفيف الظهر ، وأحب أن يكثر همه وهو قليل الهم والغم ، وأراد أن يكون في تعب ونصب وهو مستريح ؛ وإنما يكفيه من الدنيا ما يسد جوعته « 6 » ويذهب ظمأه ويستر جسمه .
هامش
( 1 ) لقد : ناقصة في ص .
( 2 ) ف : كالقبيح .
( 3 ) ط : ومم .
( 4 ) ط : أيهم .
( 5 ) ط : جميعها .
( 6 ) ط : جوعه .