تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
قال : أهو في دوام الملك أظهر سرورا ، أم في زواله ؟ قال : بل في دوامه للملك . قال : ولم ذاك ، وليست الدنيا من شأنه ؟ قال : للقدرة على إظهار الحكمة في سلطانه [ 116 ب ] والاستمكان من إفاضة العلم وإشاعته وتقريب الحكماء والعلماء وأخذ الرعية بالأدب العائد بالخير ، ودرك الأجر في تبصير أهل الجهالة وحمل الناس على حسن الهدى والسيرة الفاضلة والقوة على رفض الدنيا ونبذ الشهوات وترك اللذات عند القدرة عليها والتمكن منها والامتناع عليها عند تكاثرها وتواترها ؛ فان الدنيا لم تغلبه على نفسه ولم تورطه في فخاخها ولم تمده بحلاوتها وأنواع خدعها وزخارفها المموهة وأسباب غرورها التي يسرع إليها أهل الجهالة ، ويسعى إلى النشوب في تلفها أهل الغرة الذين لا يفكرون في عواقب الأمور ، ففرح بأن غلبها ولم تغلبه ، وقهرها ولم تقهره ، وضبطها ولم تضبطه ولم تضطهده إذا نصبت حبائلها ؛ ولكنها كلما لمعت له ازداد منها بعدا ، وكلما تزينت له ازداد منها استيحاشا ، وكلما تقربت إليه ازداد منها نفورا . قال : كيف كانت هيبته للموت وخوفه من الوقوف على حسيب النفوس وديانها ؟ قال : كان إلى الموت مشتاقا ، ولما بعده مرتجيا . قال : ولم ذاك ؟ قال : لأنه افتدى نفسه بالدنيا ، وفك رهنه بالبر ، وباع نفسه بالآخرة ؛ فسعى الحكيم لآخرته ، واشترى « 1 » النعيم الباقي بالنعيم المنقضى ، وصار الموت عنده نجاة من الحبس ، لا يسلبه الموت شيئا مما تقدم من الخير وتزود من الحسنات . قال : فما أغلب طباعه عليه ؟ قال : الرحمة لكل أحد ، والكف عن أذى كل أحد ، والاحسان إلى كل أحد ، وتوقير « 2 » أهل العلم والحكمة ، وبذل فوائد الخير للمستفيدين ، وشكرهم
هامش
( 1 ) ط : فاشترى . ( 2 ) ط : والتوفير لأهل . . .
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد ) — صفحة 280 | أحمد بن محمد مسكويه الرازي