كلام لبعض المتصوفة
أليس من أصيب بالحق أكثر ممن أصاب منه ، ومن موّه عنه أكثر ممن حقق به ؟ - على أن الإشارة إلى غيره إلحاد فيه ، والعبارة عن معناه اجتراء عليه .
هذا لأن الخلق إن أصحروا « 1 » في الطلب تاهوا ، وإن أبحروا غرقوا ، وإن أجبلوا كلوا ، وإن أسهلوا ضلوا .
حسب العارف فقر هو غناه ، وحسب الجاهل غنى هو فقره .
لعل قائلا يقول : ما أروح اليأس عمن لا يوجد ! - فيقال له : ما أمتع النيل ممن لا يفقد !
لو زعم زاعم أنه أشار لكان مقصرا ، ولو قال « 2 » إنه أصاب لكان كاذبا .
وقال أبو علي الروذباري « 3 » - وقد سئل عن التوحيد - : هو استقامة القلب على رفض التعطيل ، وإنكار التشبيه باثبات التنزيه ، فإياك والغوص في التنزيه فغايته التشبيه . والتوحيد كله في كلمة واحدة : كل ما خيله الوهم وصوره الفهم وحدده القول واستقر عليه الرأي - فالحق بخلافه ، ومباين له ، غير داخل تحته ولا مستعير نعته .
وقال الجنيد - وقد سئل عن الشفقة - : هي أن تعطى من نفسك ما يطلبون ، ولا تحملهم ما لا يطيقون ، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون .
سئل الشبلي عن الزاهدين فقال : كلكم زاهدون في اللّه عز وجل .
هامش
( 1 ) أصحر : برز في الصحراء .
( 2 ) انه : ناقصة في ص .
( 3 ) اسمه أحمد بن محمد بن القاسم ، كما ذكر السلمى وصححه ، وقال الخطيب البغدادي ان اسمه محمد بن أحمد وصحح ذلك . أصله من بغداد ، لكنه أقام بمصر . وكان عارفا بالحديث وأستاذه فيه إبراهيم الحربي ، وأستاذه في الفقه : أبو العباس بن سريج ، وفي النحو :
ثعلب ، وفي التصوف : الجنيد . وتوفى بمصر سنة 322 وقيل سنة 323 ه ( سنة 933 م - سنة 934 م ) - راجع عنه : « صفة الصفوة » ج 2 ص 256 - ص 257 ؛ « الطبقات الكبرى » للشعرانى ج 1 ص 91 ( القاهرة ، مطبعة صبيح ، من دون تاريخ ) ؛ « الرسالة القشيرية » ص 26 ( مطبعة التقدم العلمية ، القاهرة سنة 1346 ه ) ؛ « شذرات الذهب » 2 / 296 .