مر عبد اللّه بن المبارك « 1 » برجل واقف بين مقبرة ومزبلة فقال : يا رجل ! إن عندك كنزين من كنوز الدنيا ، بينهما معتبر : كنز الأموال ، وكنز الرجال .
وتحدث إسحق بن إبراهيم الموصلي ، قال : قال لي حمزة « 2 » القارئ :
يا إسحق ! إن لي فيك رأيا : أترضى - مع فهمك وأدبك ورأيك - أن يكون عوضك من الآخرة فضل مطعم على مطعم ؟
وقال الحسن البصري : ربّ هالك بالثناء عليه ، ومغرور بالسّتر عليه « 3 » ، ومستدرج بالامهال له !
وقال آخر : من ذا الذي بلغ جسيما فلم يبطر ، واتبع الهوى فلم يعطب ، وجاور النساء فلم يفتن ، وطلب « 4 » إلى اللئام فلم يهن ، وواصل الأشرار فلم يندم ، وصحب السلطان فدامت سلامته ؟ !
وقال : أسوأ الرجال حالا من لا يثق بأحد ، ولا يثق به أحد ، لسوء فعله .
وقال أمير المؤمنين « 5 » علىّ عليه السلام : إن أخيب الناس سعيا وأخسرهم صفقة [ 56 ب ] رجل أتعب بدنه في آماله ، وشغل بها عن معاده ، فلم تساعده المقادير على إرادته ، وخرج من الدنيا بحسرته ، وقدم على « 6 » آخرته بغير زاد .
هامش
( 1 ) عبد اللّه بن المبارك : هو أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك بن واضح ، المروزي : جمع بين العلم والزهد ، وتفقه على سفيان الثوري ومالك ابن أنس ، شديد الورع ، محب للخلوة . ولد في مرو سنة 118 ه ( 736 م ) ، وتوفى في هيت سنة احدى ( وقيل اثنتين ) وثمانين ومائة ( 797 - 798 م ) . راجع عنه ابن خلكان ج 2 ص 237 ص 239 ، المناوي : « الكواكب » الدرية » ج 1 ص 131 - ص 133 ، أبو نعيم : « حلية الأولياء » ج 8 ص 162 - ص 191 .
( 2 ) حمزه : هو أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل ، الكوفي المعروف بالزيات : أحد القراء السبعة ، وعنه أخذ الكسائي ، وأخذ هو عن الأعمش ، توفى سنة 156 ه ( 772 م ) . - أما إسحاق بن إبراهيم الموصلي فلا يمكن أن يكون المغنى المشهور لأن هذا ولد سنة 150 ه ، ويمكن أن يكون أباه أبا إسحاق إبراهيم بن ماهان الذي ولد بالكوفة سنة 125 ه وتوفى ببغداد سنة 188 ه ، وإذا صح ذلك كان يجب تصحيحه هكذا في نصنا : أبو إسحاق بن إبراهيم . . .
( 3 ) ص : بالستر ومستدرج بالامهال عليه .
( 4 ) ف : وطالب .
( 5 ) علىّ : ناقصة في ف .
( 6 ) ف : بغير زاد على آخرته .