لا يناله شئ من هذه ولا يغلبه شئ ، ولا يغصبه غاصب ، ولا يضره كيد حاسد . ثم إن صاحب العقل إن حرم المال عاش [ 28 ب ] بعقله ؛ وصاحب الجهل لا يعيش بماله . وذلك أن من لم يعش بعقله حرم معرفة الفصل « 1 » بين الحسن والقبيح ، والنظر في عواقب ما يجمل ويحل ، وما لا يجمل ولا يحل .
ولا خير في حياة من فاتته « 2 » هذه الخصال ، لا سيما الملوك ، فإنهم إلى هذه الأشياء أحوج ، إذ هم الساسة والرؤساء ، وسائر الناس أتباع ؛ وهم إلى إصلاح أنفسهم أحوج ، إذ كانت الرعية إنما تصلح بصلاحهم ؛ وفساد الناس يكون بفسادهم ، فلا قوام للرعية إلا بالراعي ، ولا قوام للبدن إلا بالرأس ، ولا قوام للملك إلا بالهيبة ، ولا هيبة للملوك إلا بالعدل . وحاجة الأدب والمروءة إلى العقل كحاجة البدن إلى الغذاء ، وحاجة البلد « 3 » إلى العمارة والماء .
فالآداب والمروءات محتاجة إلى العقل ، والعقل غنى عنها . ويدل على العقل حسن منافع العقل في اجتناب الخطايا . والسعادة مقرونة بالعقل : فمن رزق العقل دله على أسباب السعادة ، ومن يرزق « 4 » السعادة لم تبق له غاية يطلبها ، لأن السعادة غاية كل مطلوب .
وقال رئيس القوم : علامة العقل أن يرى العبد « 5 » حارسا لنفسه من نفسه ، ولأناته من بادرته ، ويروض صعب الهوى حتى يذله للعقل ، فان العقل والهوى مختلفان : اختلفا على هذه النفس في موافقتها ومخالفتها : فالعقل لها شجن ، والهوى لها سكن . وذلك أن الهوى يهدى إليها « 6 » الشهوات واللذات ، والعقل يمنعها « 7 » من ذلك إلا فيما يحل ويجمل ، ويحذرها من العواقب . فالنفس إلى ما قارب الهوى أسرع ، ومن كل ما يثقل عليها أجزع .
ثم قال لهم الملك : اتفقوا على كلمة تجمع المكارم في إيجاز وإحاطة [ 29 ا ] بإرادة المريد ذلك . فابتدأ رئيس القوم فقال : من استصغر كبير « 8 » ما يؤتى
هامش
( 1 ) ص ، ف : الفضل .
( 2 ) ص : فاته .
( 3 ) ص : وحاجة البدن البلد إلى العمارة . . .
( 4 ) ف : رزق .
( 5 ) ف : الانسان .
( 6 ) ف : لها .
( 7 ) ف : منعها الا . . .
( 8 ) ف : كثير .