لما استتم أنوشروان كتاب « المسائل » قال في آخره : قد كنت للعقل [ 28 ا ] في الحداثة مؤثرا ، وللعلم محبا ، وعن كل تعليم مفتشا ؛ فرأيت العقل أكبر الأشياء وأجلها ، والخيم « 1 » الصالح خير الأمور ، والحلم أزين الخصال ، والمواساة أفضل الأعمال ، والاقتصاد أحسن « 2 » الأفعال ، والتواضع أحمد « 3 » الخلال - و
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
« 4 » .
حكم لبهمن الملك
كان بهمن الملك مشغوفا بمحاسن الكلام ، يقدم « 5 » به ويؤثر من أجله ندماءه وخلطاءه . فجمع علماء أهل زمانه وأهل المعرفة المشهورين بالحكمة والفهم ، ثم قال لهم :
إني جمعتكم لمهمّ تفكرت فيه ، ولأمور أحببت معرفتها وأنا سائلكم عنها .
فليجتهد كل رجل منكم رأيه بالمبالغة من عقله وفهمه بلا عجلة ، ولا مبادرة إلى الجواب بلا روية . أخبروني عن أعز الأشياء وأرفعه لخساسة الخسيس الذي لم ينهضه قديم . فأجمعوا أنه الصلاح والعلم ، وأنهما يزيدان في شرف الشريف ، ويقعدان العبيد مقعد الملوك . فقال الملك : هذا رأس أمور الدنيا والدين إذا كان بمساعدة العقل ، فان البناء بأساسه ، لأن الأساس الفهم ، وقوامه الرأي الأصيل . ولا رأى إلا بمعرفة العلم ، ولا أساس للعلم إلا بالعقل .
ثم قالوا : أقسام الأشياء مختلفة : فمنها حارس ، ومنها محروس . فالمحروس المال ، والحارس العقل . ومنها مسلوب ، ومنها محفوظ . فالمسلوب المال ، والمحفوظ العقل . فالعقل يحرسك وأنت تحرس المال . والمال لا يحفظ « 6 » من سرقة ومن خيانة ومن جور سلطان « 7 » وآفات أخر كثيرة سريعة إليه ، والعقل
هامش
( 1 ) الخيم ( بكسر الخاء ) : السجية والطبيعة .
( 2 ) ف : أفضل .
( 3 ) ص : الخصال - وما أثبتنا عن س .
( 4 ) وحسبنا . . . الوكيل : لم ترد في ف .
( 5 ) أي يفضل الناس بحسب اقتدارهم على الكلام .
( 6 ) ف : يحرس .
( 7 ) ف : جور سلطاني .