بالجور ، وسعيهم في جسيم الأمور بالباطل وكذلك لم ينجبوا فيما قصدوا ورجعوا خائبين . ثم حافظ على أحسن ما عرفت به عند أهل العقل والمعرفة ، وتزيّد فيه ؛ وإياك أن تتعرض لأمر مذموم بدالّة ما سبق لك إلى الناس من محمود عمل ، وتظن أن حسناتك تستغرق سيئاتك ، فان القليل من الإساءة في القول والفعل يمحق كثيرا من الحسنات .
وكان من سيرة قدماء الفرس أن يكتبوا في نواحي مجالسهم أربعة أسطر :
أولها عندنا : الشدة في غير عنف واللين في غير ضعف ؛ والثاني : المحسن يجازى باحسانه والمسىء يكافأ بإساءته ؛ والثالث : العطيات والأرزاق في حينها وأوقاتها ؛ والرابع : لا حجاب عن صاحب ثغر ولا « 1 » طارق ليل .
وكان قدماء « 2 » الفرس لا يولون الثغور إلا من تكاملت فيه أربع عشرة خصلة من أخلاق الحيوانات وهي : أن يكون أسمع من فرس ، وأبصر من عقاب ، وأهدى من قطاة ، وأحذر من عقعق « 3 » ، وأجرأ من أسد ، وأوثب من فهد ، وأروغ من ثعلب ، وأوقح من ذئب ، وأسخى من لا قطة الديك ، وأقدم من نمر ، وأجمع من ذرة « 4 » ، وأحرس من كلب ، وأصبر من حمار ، وأطوع من جمل .
وفي عهد ملك من ملوك الفرس لابنه : [ 30 ا ] لا تحقرن ذنبا ، ولا تطلبن أثرا ، ولا تمالئن عدوا ولا حسودا ، ولا تصادقن « 5 » نماما ، ولا تعينن لئيما فيبطر ، ولا تسلطن دنيئا ، ولا تفرطن في طلب الأجر ، ولا تعينن غاويا ، ولا تركنن إلى شبهة ، ولا ترددن سائلا ، ولا ترضين للناس إلا ما ترضاه « 6 » لنفسك . واعلم أن للأعمال جزاءا وللأمور تبعات ، فكن على حذر ؛ ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا ، ولا تعدن « 7 » وعدا ليس في يدك وفاؤه .
هامش
( 1 ) ص : الا .
( 2 ) ف : حكماء .
( 3 ) راجع عنه « الحيوان » للجاحظ 2 : 174 ، 329 ؛ 5 : 151 ، 535 - إذ يضرب به المثل في شدة الحذر ، وصدق الحس .
( 4 ) ص : درة - والذرة : النمل الأحمر الصغير ، يضرب به المثل في الادخار ، راجع « الحيوان » للجاحظ 1 : 213 ؛ 2 : 295 ؛ 4 : 5 ، 34 ؛ 5 : 365 .
( 5 ) ص : تصدقى .
( 6 ) ف : بما .
( 7 ) تعدن وعدا : آخر النقص في ط ورقة 32 ا .