تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
بينّا أيضا في رسالة حكمة الموت ، ولا ينقص هذا الاعتقاد من لذاتهم في الدنيا شيئا . أما معتقد فنائها فإنهم لا يخلو إما أن يكونوا من سعداء أبناء الدنيا أو من أبناء أشقيائها . فلو كانوا من أبناء سعدائها ، فإن هذا الرأي والاعتقاد يؤلم نفوسهم ويؤذيها ، وذلك أنهم كلما فكروا في الموت والفناء ، تنغّص عليهم عيشهم ، وأدخل الحزن على نفوسهم ، ونقص من لذاتهم في دنياهم ، لأنهم قد أيقنوا بذهابها وفنائها ، ولا يرجون غيرها ، ولا يؤملون سواها . وإن كان هؤلاء المعتقدون بفناء النفس من أبناء أشقياء الدنيا ، فهم يعيشون في غمّ وحزن طول أعمارهم في الدنيا ويموتون آخره بحسرة ومصيبة . ثم اعلم أن الاعتقادات الرديئة والآراء الفاسدة المؤلمة لنفوس معتقديها المؤذية لها كثيرة لا يمكن إحصاؤها وبيان صفاتها ، ولكن نذكر المحمودة منها ونصفها لتعرف ، وتتمسك بها وتجتنب سواها . وقد بيّنّا في رسالة النواميس طرفا من ذلك ، وفي رسالة اعتقاد إخوان الصفاء ، ورسالة ماهيّة الإيمان وخصال المؤمنين المحققين الذين وعدهم اللّه الجنة ، وشرحنا طريقتهم وأخلاقهم وآراءهم وعلومهم وأعمالهم في إحدى وخمسين رسالة ، وبيّنّا فيها صفاتهم وكيفيّة أحوالهم ، لكن نذكر جملة هاهنا منها بقول وجيز مختصر ، وهو أن الإنسان العاقل يرى ويعتقد أن للعالم صانعا بارئا حكيما قديما حيّا عالما ، وأنه قد نظمّ أمر عالمه نظاما محكما ، ورتّب الموجودات ترتيبا متقنا ، ولا يخفى عليه من أمر عالمه صغيرة ولا كبيرة إلّا وهو يعلمها ويدبّرها تدبيرا واحدا بحسب ما يليق بواحد واحد من الموجودات والكائنات ، وبحسب الاستعدادات الحاصلة من الكائنات ، وأن يجري حكم عالمه بجميع خلائقه من الأفلاك والبروج والكواكب والأركان والمولودات كمجرى حكم إنسان واحد وحيوان واحد ، وأن سريان قوى ملائكته في أطباق سماواته وفضاء أفلاكه كسريان قوى نفس إنسان واحد في جميع