تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
لا بمعنى أن هذه الأشياء ستوجد في الجنة على حالات جسمانية ، بل ستوجد أشياء روحانية : « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . » وقال تعالى أيضا :
« فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ »
وما شاكلها من أوصاف الأمور الجسمانية . وتارة وصفها بأوصاف روحانية على قدر فهم المتوسطين مثل قوله تعالى :
« فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ »
وقال :
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
وقال :
« فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ »
وقال :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
وما شاكلها من الأوصاف الروحانية التي لا تليق بالأجسام الطبيعية . وتارة وصفها بأوصاف هي بين الروحانية والجسمانية مثل قوله تعالى :
« مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ »
. أما ترى يا أخي أنه قال : مثل الجنة على سبيل التشبيه والتمثيل ، ليقرّب من الفهم تصوّرها ، لأنه يقصر الوصف عنها بحقائقها ، وإنما خاطب كل طائفة من الناس بحسب عقولهم ومراتبهم في المعارف والفهوم ، لأن دعوة الأنبياء ، عليهم السلام ، عموم للخاص والعام جميعا ومن بينهما من طبقات الناس . وقد صرّح المسيح ، عليه السلام ، في وصف الجنان ونعيم أهلها بأوصاف غير جسمانية ، فقال للحواريّين في وصية لهم : « إذا فعلتم ما فعلت وما قلت لكم ، تكونون معي غدا في ملكوت السماء عند أبي وأبيكم ، وترون ملائكته حول عرشه يسبّحون بحمده ويقدّسونه ، وأنتم هناك ملتذّون بجميع اللذات بلا أكل ولا شرب . » وإنما صرح المسيح ، عليه السلام ، ولم يرمز لأن خطابه كان مع قوم قد هذّبتهم التوراة وكتب الأنبياء ، عليهم السلام ، وكتب الحكماء أيضا ، وكانوا غير محتاجين إلى
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 77 | إخوان الصفاء