بدنه ومفاصل جسده . وهذا قول مجمل قد شرحنا تفسيره وبيّنّاه في جميع رسائلنا أجمع ، ولكن لا بد من أن يصادره المتعلمون في أول الأمر ، والمبتدئون بالنظر في هذا الشأن العظيم ، كما يصادرون سائر العلوم والصنائع ثم في آخر الأمر يعرفون حقيقته وتتبين لهم صحته .
فصل
ثم اعلم أن غرض إقرار المبتدئين ، واعتقاد المتعلمين في مبدأ كل صناعة ، على تحقيق أصولها قبل معرفتهم بها تقليدا ، هو من أجل أنه لا يبين ذلك إلّا بعد التبحّر فيها والبحث والكشف عنها .
واعلم أنه كما أن المتوسطين في كل علم وصناعة لا يرضون بالتقليد ، إذ قد يمكنهم البحث والكشف عنه بالبراهين ، فهكذا أيضا ينبغي للمقرّين بكتب الأنبياء ، عليهم السلام ، وما فيها من الأسرار والإشارات المكنونة والعلوم الشريفة . والمتوسطون في العلوم لا يرضون بالتقليد مثل الصبيان والنساء وضعفاء العقول ، بل يجب عليهم البحث عنه والكشف عن الأسرار والإشارات . ذلك بأن ليس غرض الأنبياء ، عليهم السلام ، فيما وصفوا من مجلس الجنان ولذّات أهلها هو الإقرار باللسان حسب بلا اعتقاد ، ولا الاعتقاد حسب بلا تحقيق يظهر لهم ، بل الغرض هو التصوّر لها بحقائقها كيما تقع الرغبة فيها والطلب لها ، لأن الإنسان لا يطلب ما لا يرغب فيه ، ولا يرغب فيما لا يتحققه ، ولا يتحقق ما لا يتصوره ، ولا يتصور الشيء الخفي الغائب إلّا بالوصف البليغ بالمحاسن .
فمن أجل هذا أكثر في القرآن من وصف محاسن الجنان وسرور أهلها ولذات نعيمها ، فتارة وصفها أوصافا جسمانية على قدر طاقة القوم مثل قوله تعالى :
« عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ »
الآية . ذكر هذا وبيّن على قدر قبول أفهامهم ،