تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
الإشارات والتنبيهات ، بل كانوا متهيئين لصورها مستعدّين لقبولها . فأما سيد الأنبياء وخاتم المرسلين ، صلى اللّه عليه وآله ، فقد اتفق مبعثه في قوم أميّين من أهل البوادي ، غير مرتاضين بالعلوم ، ولا مقرّين بالبعث والنشور ، ولا عارفين بنعيم ملكوت الدنيا فضلا عن معرفة نعيم أهل السماوات الذين هم ملكوت الأفلاك والآخرة وأهل الجنان فجعل أكثر صفة الجنان في كتابه جسمانية ، ليقربها من فهم القوم ، ويسهّل تصوّرها عليهم ، وترغب نفوسهم بها . ونحن قد جعلنا بحثنا عن أسرار الكتب الإلهية ، وبيّنّا في أكثر رسائلنا معنى أسرار التنزيلات النبوية ، وكشفنا عن أكثر الرموزات والإشارات وعن الموضوعات الناموسية . وذلك لأن خطابنا لا يكون إلّا مع أقوام علماء فضلاء مارسوا إخوان الصفاء ، ورسخوا في العلم ، وارتاضوا بالرياضيات الحكمية المقرونة بأسرار الكتب الإلهية وإشارات الأنبياء عليهم السلام . فإن كنت أيها الأخ واحدا منهم ، فهلمّ إلى صحبة إخوان لك فضلاء ، وأصدقاء كرماء ، علومهم حكمية ، وآدابهم نبوية ، وسيرتهم ملكية ، ولذاتهم روحانية ، وهممهم إلهية . واترك صحبة إخوان الشياطين الذين لا يريدونك إلّا لجر منفعة الأجساد ، أو لدفع المضرة عنها . وكن يا أخي من المؤمنين الذين بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، حتى تكون من الذين أشار إليهم بقوله :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »
وتكون من الذين مدحهم اللّه تعالى بقوله :
« الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ »
. وإذ قد فرغنا من ذكر اللذات والآلام الجسمانية التي تجدها النفس بمفارقتها الجسد ، وما تجدها بمجرّدها وهي مع الجسد ، فنريد أن نذكر ما تجده بعد المفارقة من اللذة والآلام التي هي جزاؤها وثوابها على ما عملت من شر وعرفان وإنكار المعبّر عنه في الشريعة النبوية بالثواب والجزاء والعذاب الأليم .