فصل
ثم اعلم أن من الآراء والاعتقادات ما هو مؤلم لنفوس معتقديها ، ومؤد لها ؛ ومنها ما هو مفرّح ومسر وملذّ لها ، كما بيّنّا قبل هذا ، ولكن نضرب مثلا لذلك كيما يتضح .
( حكاية )
ذكروا أنه كان رجل من أرباب النّعم متديّنا ، وكان له ابن متجاهر بالسّكر وكان الرجل كارها لذلك منه . فقال له يوما : يا بني ، انته عن السّكر ، حتى أعطيك شطرا من مالي وعقاري ، وأفرد لك دارا ، وأزوجك بحسناء إحدى بنات أرباب النّعم .
فقال ابنه : يا أبت ، ما ذا يكون ؟
فقال : تعيش فرحا مسرورا ملتذّا إمّا بقيت .
فقال ابنه : إن كان الغرض هو هذا فهو حاصل لي .
فقال له أبوه : كيف ذلك ؟
قال : لأني إذا سكرت وجدت في نفسي من الفرح واللذة والسرور ، حتى أظن معه أن ملك كسرى كله لي ، وأتخيل في نفسي من العظمة والجلال حتى أرى العصفور مثلا قدر البعير .
فقال له أبوه : ولكن إذا صحوت لا ترى لذلك حقيقة .
قال : أعود فأشرب ثانيا حتى أسكر فأرى مثل ذلك .
فهكذا القياس في حكم المعتقدين ببقاء النفس بعد مفارقتها الجسد في وجدان لذاتهم ، لأنه إن كان الغرض من الحياة في الدنيا ليس إلّا لأجل اللذة والفرح والسرور والراحة بعد الموت كما قال تعالى :
« وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ »
بعد الموت الذي ليس هو شيئا سوى مفارقتها الجسد كما بيّنّا قبل هذا ، وقد