تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

فصل

ثم اعلم أن من الآراء والاعتقادات ما هو مؤلم لنفوس معتقديها ، ومؤد لها ؛ ومنها ما هو مفرّح ومسر وملذّ لها ، كما بيّنّا قبل هذا ، ولكن نضرب مثلا لذلك كيما يتضح .

( حكاية )

ذكروا أنه كان رجل من أرباب النّعم متديّنا ، وكان له ابن متجاهر بالسّكر وكان الرجل كارها لذلك منه . فقال له يوما : يا بني ، انته عن السّكر ، حتى أعطيك شطرا من مالي وعقاري ، وأفرد لك دارا ، وأزوجك بحسناء إحدى بنات أرباب النّعم . فقال ابنه : يا أبت ، ما ذا يكون ؟ فقال : تعيش فرحا مسرورا ملتذّا إمّا بقيت . فقال ابنه : إن كان الغرض هو هذا فهو حاصل لي . فقال له أبوه : كيف ذلك ؟ قال : لأني إذا سكرت وجدت في نفسي من الفرح واللذة والسرور ، حتى أظن معه أن ملك كسرى كله لي ، وأتخيل في نفسي من العظمة والجلال حتى أرى العصفور مثلا قدر البعير . فقال له أبوه : ولكن إذا صحوت لا ترى لذلك حقيقة . قال : أعود فأشرب ثانيا حتى أسكر فأرى مثل ذلك . فهكذا القياس في حكم المعتقدين ببقاء النفس بعد مفارقتها الجسد في وجدان لذاتهم ، لأنه إن كان الغرض من الحياة في الدنيا ليس إلّا لأجل اللذة والفرح والسرور والراحة بعد الموت كما قال تعالى :
« وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ »
بعد الموت الذي ليس هو شيئا سوى مفارقتها الجسد كما بيّنّا قبل هذا ، وقد