تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
التي يعلمها الإنسان ثلاثة أنواع : ماض ومستقبل وحاضر ، فعلمه بما هو حاضر في الوقت موجود في طريقة إحدى الحواس ، والحواس قد تخطئ وتصيب في إدراكاتها محسوساتها لعلل شتى قد بيّنا طرفا فيما قد تقدم ذكره . وعلمه بما كان من الأمور ومضى مع الزمان وانقضى مع الأيام أو غاب عنه بالمكان فهو بطريق السمع والاخبار ، والمخبر قد يكون صدوقا وقد يكون كذوبا ، وهكذا أيضا ربّ مستمع مكذب بالصدق ، ورب مستمع مصدق بالكذب . فأما علمه بما سيكون أر غائب عنه بالمكان فقد يكون بعضا بالقياس ، والقياس قد يكون صحيحا وقد يكون سقيما . وهكذا المستعمل للقياس قد يكون جاهلا باستعماله كما بيّنا في قياس الصبيان والجهّال والعوام وكثير من الخواص . وهذا أيضا أحد أسباب اختلاف العلماء في الآراء والمذاهب . ثم اعلم أنك إذا اعتبرت ودققت النظر تبين أن أكثر علم الإنسان إنما هو بطريق القياس ، والقياسات مختلفة الأنواع كثيرة الفنون كل ذلك بحسب أصول الصنائع والعلوم وقوانينها . مثال ذلك أن قياسات الفقهاء لا تشبه قياسات الأطباء ، ولا قياس المنجمين يشبه قياس النحويين ولا المتكلمين ، ولا قياسات المتفلسفين تشبه قياسات الجدليين ، وهكذا قياسات المنطقيين في الرياضات لا تشبه قياسات الجدليين ولا تشبه قياساتهم في الطبيعيات ولا في القياسات والإلهيات . وهكذا الحكم في سائر الصنائع والعلوم . وسنذكر طرفا من ذلك في موضعه ولكن نقول أول ما القياس ؟ وذلك أن القياس هو الحكم على الأمور الكليات الغائبات بصفات قد أدركت جميعها في بعض جزئياتها . مثال ذلك : لما أدرك الإنسان أن النيران الجزئية حارة حكم بأن كل نار حارة أيضا الغائبة قياسا على ما أدرك حسّا وهكذا حكم على رطوبة الماء من جزئياتها على كلياتها بالحسن جزئية والعقل كليّا .