تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
واعلم أن هذا الحكم وهذا القياس لا يطّرد في كل شيء ولا في كل مكان ، وذلك أن يكون في كثير من البلدان أناس عقلاء لا يجدون من الماء إلّا عذبا ، فإذا حكموا بما أدركوا على أن كل ماء في الأرض عذب ، فقد أخطئوا وهم لا يشعرون ، وعلى هذا المثال يكون الخطأ والصواب في القياس الذي يطّرد في كل شيء . وإذا تأملت يا أخي وجدت أكثر اختلاف العلماء وخطئهم إنما في استعمال القياس من هذا الفن ، يكون ويخفى وهم لا يشعرون ، وإن علموا أيضا لا يحسنون كيف يميزون من الأشياء التي يطّرد فيها . والقدماء الحكماء قد تعبوا في استخراج هذا حتى عرفوه ووضعوه في كتبهم بخطب طويل لا يصبر على طلب معرفته كل أحد من الناس إلّا المحبّون للحكمة ، الطالبون للحقائق . وقد ذكرنا طرفا من ذلك في رسائلنا ! المنطقية ، ولكن نذكر منها طرفا في هذا الفصل مثالا واحدا . اعلم يا أخي أن القياس الذي يطّرد الحكم فيه بالجزء على الكل إنما هو في الصفات الذاتية للشيء لا في الصفات العرضية . والصفات الذاتية هي التي إذا بطلت بطل الموصوف ، وإذا ثبتت ثبت الموصوف : وهي الصورة المقوّمة ؛ والصفة العرضية هي التي إذا بطلت لم يبطل الموصوف . والمثال في ذلك رطوبة الماء وعذوبته ، فإن الرطوبة إذا بطلت لا يكون الماء موجودا ، فأما العذوبة فليس من الضروري ، إذا بطلت بطل الماء ، فالرطوبة هي الصورة المقوّمة للماء ، والعذوبة هي الصورة المتمّمة له . فعلى هذا المثال ينبغي أن يعتبر الحكم في القياس لا يصيب ولا يخطئ . واعلم أن الحكماء الأولين لما أثبتوا الذي ذكرنا وعلموا أن أكثر علمهم إنما هو بطريق القياس ، وقد يدخل الخطأ والزلل في القياس - كما بيّنّا - طلبوا لذلك حيلة يأمنون بها الخطأ والزلل في القياس ، وسمّوها البرهان . وميزان العقل من أجل طلب الحقائق ، وإصابة الصواب ، وتجنّب الزور