تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وإذا لم يكن شيء معقول ، فلا يمكن البرهان عليه ، لأن البرهان لا يكون إلّا من نتائج مقدّمات ضرورية مأخوذة من أوائل العقول ، والأشياء التي هي في أوائل العقول إنما هي كليات أنواع وأجناس ملتقطة من أشخاص جزئية بطريق الحواسّ . والدليل على ذلك الصبي ، لولا أنه قدّر أن عشر جوزات أكثر من خمس ، أو خشبة طولها عشرة أذرع أطول من أخرى لها ستة أذرع ، فمن أين كان يمكنه أن يعلم أن الكل أكثر من الجزء ؟ وعلى هذا القياس حكم سائر المعقولات فإنها مأخوذة أوائلها من الحواسّ . والدليل على ذلك أيضا أنك تجد من كان أكثر محسوسات ولها أكثر تأمّلا ، وللمتخيّلات أجود اعتبارا ، فإن الأشياء المعقولة عنده أكثر عددا ، ونفسه لها أكثر تحقّقا . فقد تبيّن بما ذكرنا أن الأشياء المعقولة ليست بشيء سوى رسوم المحسوسات الجزئيات الملتقطة بطريق الحواسّ من الأشخاص ، مجموعة في فكر النفس المسمّى أنواعا وأجناسا ، وأن العقل للإنسان - إذا تبيّن - ليس هو شيئا سوى النفس الناطقة ، إذا تصوّرت رسوم المحسوسات في ذاتها ، ميّزت بفكرها بين أجناسها وأنواعها وأشخاصها ، وعرفت جواهرها وأعراضها ، وجرّبت أمور الدنيا واعتبرت تصاريف الأيام بين أهلها . ثم اعلم أن كل من كان أكثر تأمّلا للمحسوسات ، وأدق نظرا في أمور الموجودات ، وأجود بحثا عن الخفيّات ، وأكثر تجارب للأمور الدنيوية ، وأحسن اعتبارا لأهلها ، كان أرجح عقلا من أبناء جنسه ، وأكثر علما من أهل طبقته . ثم اعلم أن العقلاء متفاوتو الدرجات في عقولهم تفاوتا بعيدا جدّا ، لا يقدر قدره إلّا اللّه تعالى الذي خلقهم وفضّل بعضهم على بعض ، كما اقتضت حكمته ، وسبق علمه في خلقه . ثم اعلم أن لتفاوت الناس في درجات عقولهم عللا شتى ، وأسبابا عدّة ، فمن إحدى تلك العلل كثرة فضائل العقول ومناقب العقلاء التي لا يحصي