فصل في بيان ما يعلم بأوائل العقول
فنقول : اعلم أن الأشياء التي تعلم بأوائل العقول ، بعضها ظاهر جليّ لكل العقلاء ، وبعضها غامض خفيّ يحتاج إلى تأمّل قليل ، وبعضها يحتاج إلى تدقيق النظر وتأمّل شديد . مثال ذلك قولهم : الكل أكثر من الجزء . إن هذا عند الحكماء ظاهر في أوائل العقول السليمة . وأما قولهم إن الأشياء المختلفة ، إذا زيدت عليها أشياء متساوية ، كانت كلّها في جميع أوائل العقول السليمة مختلفة ، يحتاج فيها إلى تأمّل قليل . وأما قولهم : إذا كانت أربعة مقادير على نسبة واحدة ، فإن في الأول من أضعاف الثاني مثل ما في الثالث من أضعاف الرابع . فهذا أيضا من الأشياء التي تعلمها بأوائل العقول ، ولكن يحتاج إلى بحث أشد ، ونظر أدقّ . وعلى هذا المثال يكون تفاوت المعقولات والأشياء التي تعلم بالعقول الثاقبة .
ثم اعلم أن كثيرا من العقلاء يظنون أن الأشياء التي تعلم بأوائل العقول مركوزة ، فنسبتها لما تعلقت بالجسم ، فهي تحتاج إلى التذكار ، ويسمون العلم تذكّرا ، ويحتجون بقول أفلاطون : العلم تذكّر . وليس الأمر كما ظنّوا وإنما أراد أفلاطون بقوله : العلم تذكّر ، أن النفس علّامة بالقوّة ، فتحتاج إلى التعليم حتى تصير علّامة بالفعل ، فسمّى العلم تذكرا . ثم إن أول طريق التعاليم هي الحواسّ ، ثم العقل ، ثم البرهان ، فلو لم يكن للإنسان الحواسّ ، لما أمكنه أن يعلم شيئا ، لا المبرهنات ، ولا المعقولات ، ولا المحسوسات البتّة .
والدليل على صحة ما قلنا أن كل ما لا تدركه الحواسّ بوجه من الوجوه ، لا تتخيله الأوهام ، وما لا تتخيّله الأوهام ، لا تتصوّره العقول .