فصل
الشكل هو صورة جسمانية ، واللون صورة روحانية ، وهما جميعا موجودان في الأشياء كلها ، إذا تأملها المتأمل ، فيكونان في جنس الثمار ، يعني في شكل الثمرة ، موجودين لنضجها واستحالة الرطوبة اللطيفة الرقيقة إلى ما قد بدت لها ، إمّا من ذوات الرطوبة السيّالة ، وذوات الرطوبة المتكثرة ، فتقدّم السيّالة لانحفاظ ، كالآلة تقوم مقام لحاء الشجر ، لحفظ رطوبتها ، وتمنع أن يلحقها الفساد ، والذوات الدهانة في ترتيبها أن نفس الثمرة تقبلها ، وتحفظها لئلا يلحقها الفساد « 1 » ، و
« ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
ليطبخ الحرارة الغريزية الكائنة في جميع الثمار ، وبلاغا لها فهي لتصير من لا هيئة غير نافعة إلى هيئة نافعة ، لأن غرض الطبيعة إنضاج كل شيء تطبخه بالحرارة الغريزية ، لرطوبات الهيولى ، على ما هي مرتبة ترتيب الإله للمنافع التي من أجلها صار كذلك .
فإذا لم تقدر على ذلك لعرض يعرض لذلك ، إمّا لكون الرطوبات غالبة على الشيء ، فتتولد فيه العفونة فيكون دليلا لفساد ، وإمّا لكون الرطوبات في الشيء ناقصة ، فيصير ما يتولّد فيه اليبوسة والخشن ، فيكون من ذلك الفساد وبذور النبات عند ظهورها ، وبذور الزرع والشجر كلها حارّة رطبة ، لأن الحرارة في ذلك أكثر من الرطوبة ، والرطوبة التي فيها مانعة للحرارة .
فلذلك يحدث الطراوة في بدئها .
ألا ترى إلى فعل الإنفحة « 2 » التي تجمّد اللّبن الحليب بفصل حرارته ، واتّباع اللبن لها القبول منها ، لأن في الحرارة قوى جاذبة تجذب الرطوبات إليها للتغذي بها ، وتعيش ما دامت المادة من ذلك باقية . فإذا ازدادت البرودة والرطوبة
هامش
( 1 ) لا يخفى ما في الجملة من اضطراب وغموض .
( 2 ) الإنفحة : شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر ، فيعصر في صدفة فيغلظ كالجبن .
ويسمى كرشا إذا أكل الجدي وترك الرضاع .