تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢

فصل

ثم اعلم أن لكل شيء من الموجودات قسطا من السعادة ، قلّت أم كثرت ، وهي أن يبقى ذلك الشيء موجودا أطول ما يمكن على أحسن حالاته وأتمّ نهاياته ، ولكنّ أسعد السعادات ، وأتمّ النهايات ، وأرفع المقامات ما يناله أولياء اللّه الذين هم صفوته وأهل مودته ، وهو ثلاث خصال : أولاها معرفتهم بربهم ، والثانية قصدهم نحوه بهممهم ، والثالثة طلابهم مرضاته بسعيهم وأعمالهم . فأما معرفتهم بربهم فهو أن يعلم أن كل نفس جزئية هي قوة منبجسة فائضة من النفس الكلية ؛ ويعلم أن النفس الكلية هي أيضا قوة منبجسة فائضة من العقل الكلي ، ويعلم أن العقل الكلي هو أيضا نور فائض من وجود الباري تعالى ؛ ويعلم أن اللّه تعالى هو نور الأنوار ، ومحض الوجود ، ومعدن الجود ، ومعطي الفضائل والخيرات والسعادات ، وهو باق أبدا سرمدا ، وأن النفس الجزئية هي أيضا أنوار وضياء وإشراقات فائضة من النفس الكلّية ، منبثّة منها في العالم ، سارية في الأجسام من لدن فلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض . فهذا أصل علم أولياء اللّه تعالى ومعرفتهم بربهم . وأما قصدهم نحوه بهمم نفوسهم فإنه فكرتهم ، آناء الليل وأطراف النهار ، في عجائب مصنوعاته ، وغرائب مخترعاته ، وأصناف خلائقه ، واعتبارهم تصاريف أحوالها ، وكيفيّة الوصول إليها وإلى صانعها وبارئها ، ومحبتهم له ، واشتياقهم إليه من كثرة ما يرون من إحسانه وإنعامه عليهم وعلى الخلق أجمعين ، وقد جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها . وأما طلابهم مرضاته بسعيهم وأعمالهم فهو قبولهم وصايا ربهم تعالى التي جاءت بها الأنبياء والرسل ، عليهم السلام ، والعمل بجميع ما أشاروا إليه فهم في ليلهم ونهارهم لا يغفلون عنه ، ولا يسهون عن أسراره في القيام والقعود ، والممرّ