تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩

فصل

فنقول : اعلم أن الفاعل المختار هو الذي يقدر على الفعل وتركه متى شاء . فهذه مقدّمة موجبة صادقة ، ومقدّمة أخرى : كلّ فاعل حكيم مختار فله في فعله غرض ، فهذه موجبة صادقة . ومقدمة أخرى نشرحها فنقول : الغرض هو عناية سابقة في علم الصانع قبل إظهار صنعته ، ومن أجله يفعل ما يفعله ، فإذا بلغ إلى غرضه ، قطع الفعل وأمسك عن العمل . فهذه مقدّمات ثلاث موجبات صادقات ، ومقدّمة أخرى : كل حكيم صانع إذا علم علما يقينيّا أنه لا يبلغ إلى غرضه في فعله ، فإنه لا يعمل شيئا ولا يطلبه ، وهذه مقدّمة كلّية موجبة صادقة . ومقدّمة خامسة : محرّك الأفلاك والكواكب فاعل مختار حكيم قادر ، وهذه مقدّمة موجبة . فينتج من هذه المقدمات أن العالم سيخرب يوما . بيان ذلك أنه إن كان قد يبلغ محرّك الأفلاك إلى غرضه في تحريكها ، فسببه أن يمسك عن تحريكها وإدارتها ؛ وإن كان لم يبلغ إلى الغرض ، فالغاية في ذلك بلوغ الغرض ، وإن كان يعلم أنه لا يبلغ غرضه ومطلبه ، فسبيله أن يمسك عن فعله إن كان حكيما . وإن كان يعلم أنه سيبلغه ، فإذا بلغ غرضه ومطلبه ، قطع الفعل وأمسك عن العمل . وإذا أمسك محرّك الأفلاك عن التحريك لها ، وقفت الأفلاك عن الدوران ، ووقفت الكواكب عن المسير في البروج ، ووقفت مجاري الليل والنهار والشتاء والصيف ، وبطل ترتيب الزمان ، ووقف الكون والفساد في الموّلدات الثلاثة ، وفسد النظام . وفي ذلك يكون بطلان العالم وبوار الكل ، لأنّا قد بيّنّا في فصول قبل هذه أن قوام العالم وصلاح الخلائق هو بالحركة التي هي حياة العالم وصلاحه ، وبها يكون الخير والشر ، والسعود والمعارف أجمع . فقد تبيّن ، بما ذكرنا ، كيفية بوار العالم وطيّ السماوات والأرضين