تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦

فصل في بيان مشاهدة العلماء الحكماء العارفين المستبصرين الذين هم أولياء الله المصطفون الذين يرون صانع العالم بعين البصيرة

فنقول : اعلم أن الجسم ذو جهات لا يمكنه أن يتحرّك إلى جميع جهاته دفعة واحدة ، وليست حركته إلى جهة أولى من جهة إلّا لسبب أو علّة بها تكون تلك الحركة من تحريك غيره إياه . فاعلم أن صانع العالم لما كان محتجبا عن أبصار الناظرين الذين هم به جاهلون ، كان أثر الصّنعة في مصنوعاته ظاهرا جليّا بيّنّا لا يخفى على كل عاقل منصف لعقله ، وإن كان لا يدري الصّنعة لمن هي ، ومن عمله ، ومتى صوّره ، ومن أي شيء خلقه ، وكيف صوّره ، وواحد عمله أو أكثر . وإن كان العمل لواحد فعلى مثال احتذاه بفعله إياه ، أو يعرف مثال عمله ، ولم فعل بعد أن لم يكن فعل ؟ ! فمشاهدتهم أثر الصنعة في المصنوع - وهي التي ذكرنا من اختلاف أحوالها - دلالة على أنها كلّها بقصد قاصد ، وصنع صانع ، وفعل حكيم قادر ، وإن كانوا ليسوا يرونه ، ولا يدرون من هو لجهلهم به ، وقلّة معرفتهم له ، وهي الحجاب الذي بينه وبينهم ، كما ذكر اللّه تعالى في ذمهم :
« كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »
والحجاب هاهنا هو جهالتهم وقلّة معرفتهم به . وأما أولياء اللّه وأصفياؤه والعلماء العارفون المستبصرون فإنهم يرونه ويشاهدونه في جميع أحوالهم ومتصرّفاتهم ، ليلهم ونهارهم ، لا يغيب عنهم طرفة عين ، كما لا تغيب مصنوعاته ومخلوقاته ومصوّراته عن أبصار الناظرين ، كما وصفهم تعالى بقوله :
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ »
وقال :
« إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
سمّاهم شهداء لمشاهدتهم للّه تعالى في جميع أحوالهم كما قال :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
وقال :
« هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ »
ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ، ولا أكبر إلّا هو معهم