تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
منها . وهكذا الحكم والمثال في وجود العالم عن الباري ، وذلك أن العالم ليس بجزء منه ، بل فضل تفضّل به ، وفيض جود أفاضه ، وفعل فعله بعد أن لم يكن فعل ، كما أن المتكلم أظهر الكلام بعد ما لم يكن تكلم ، وليس الكلام جزءا من المتكلم ، بل فعل فعله وصنع أظهره . فقد تبيّن إذا ، بما ذكرنا من هذه المثالات التي تقدّمت ، كيفيّة وجود العالم عن اللّه تعالى . ولا تقدر أيضا ولا ينبغي أن تظن أن وجود العالم عن اللّه تعالى طبعا بلا اختيار منه مثل وجود نور الشمس في الجو طبعا لا اختيارا منها ، ولا تقدر أن تمنع نورها وفيضها لأنها مطبوعة على ذلك طبعها رب العالمين . فأما الباري تعالى فمختار في فعله إن شاء فعل ، وإن شاء أمسك عن الفعل تركا ، مثل المتكلم القادر على الكلام ، إن شاء تكلم ، وإن شاء أمسك وسكت . وهكذا حكم إيجاد الباري تعالى واختراعه ، إن شاء أفاض جوده ، وفضله ، ونعمته ، وإحسانه ، وإظهار رحمته وحكمته ، وإن شاء أمسك عن الفعل تركا ، وإن شاء لم يمتنع عن إيجاده فعله صنعا ، إذ هو قادر على الفعل وترك الفعل مختارا ، كما ذكر في كتابه :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ »
. وقال :
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ »
ولا يشغله شأن عن شأن . وإذ قد تبيّن بما ذكرنا حدوث العالم وكيفيّة حدوثه عن اللّه تعالى ، فنريد الآن أن نذكر ونبيّن أيضا كيفيّة بوار العالم وخراب الأفلاك وطيّ السماوات كطيّ السّجلّ للكتب ، بمقدّمات عقلية ضرورية ، صادقة ، ينتج عنها ما ذكرنا من بوار العالم وخراب الأفلاك .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 338 | إخوان الصفاء