تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
ولكن إن استوى لك ، فكن من الذين ينتظرون بعث النفوس ، ويؤمّلون حياتها ووصولها إلى عالمها الروحاني ودار قرارها الحيواني ، مخلّدا في النعيم أبد الآبدين ودهر الداهرين ، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .

فصل في بعث الأجساد

واعلم يا أخي أن بعث الأجساد من القبور الدارسات ، وقيامها من التراب ، إنما يكون ذلك إذا ردّت إليها تلك النفوس والأرواح التي كانت متعلقة بها وقتا من الزمان ، فيما سلف من الدهر ، فتنتعش تلك الأجساد ، وتحيا تلك الأبدان ، وتتحرّك وتحسّ بعد ما كانت جمودا ، ثم تحشر وتحاسب وتجازى ، لأن الغرض من البعث هو المجازاة والمكافأة . واعلم يا أخي أن ردّ النفوس الناجية إلى الأجسام ، الفانية في التراب من الرأس ، ربما يكون موتا لها في الجهالة ، واستغراقا في ظلمات الأجسام ، وحبسا في أسر الطبيعة ، وغرقا في بحر الهيولى . فأما بعث النفوس وقيام الأرواح فهو الانتباه من نوم الغفلة واليقظة من رقدة الجهالة ، والحياة بروح المعارف ، والخروج من ظلمات عالم الأجسام الطبيعية ، والنجاة من بحر الهيولى وأسر الطبيعة ، والترقي إلى درجات عالم الأرواح ، والرجوع إلى عالمها الروحاني ، ومحلّها النوراني ، ودارها الحيواني ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله :
« إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
يعني أبناء الدنيا . فإذا كانت الدار هي الحيوان ، فما ظنّك يا أخي بأهل الدار كيف تكون صفاتهم ونعيمهم ولذّاتهم ؛ إلّا كما ذكر اللّه تعالى بقوله :
« فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ »
لا يموتون فيها ولا يمرضون . واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن العلوم كلّها شريفة ،