تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ونيلها عزّ لصاحبها ، وعرفانها نور لقلوب أهلها ، وهداية وحياة لنفوسهم ، وشفاء لصدورهم ، ويقظة لها من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ولذّة للأرواح ، وصلاح للأجساد ، وتمام وكمال للأجسام ، وقوام للعالم ، ونظام للخلائق ، وترتيب للموجودات ، وزينة للكائنات . ولكن قيل : بعض العلوم أشرف وأفضل وأكرم ، فأشرف العلوم وأجلّ المعارف التي ينالها العقلاء المكلّفون ، معرفة اللّه ، جلّ ثناؤه ، والعلم بصفات وحدانيّته وأوصافه اللائقة به . ثم بعد هذا معرفة جوهر النفس ، وكيفيّة تصاريف أحوالها في جميع الأزمان الماضية والآتية والحاضرة . ثم كيفيّة تعلّقها بالأجسام ، وتدبيرها للأجساد ، واستعمالها الأبدان مدة ؛ ثم كيفيّة تركها لها ، ومفارقتها إياها ، وتفرّدها بذاتها ، ولحوقها بعالمها وعنصرها وجوهرها الكلي ، ثم معرفة البعث والقيامة والحشر والحساب والميزان والصّراط ودخول الجنان ومجاورة الرحمن ذي الجلال والإكرام . واعلم يا أخي أن هذا الفن من العلوم هو لبّ الألباب ، وإليه ندب ذوي العقول الراجحة والحكمة الفلسفية دون غيرهم من الناس . لأن هذا الفن من العلم والمعارف آخر مرتبة ينتهي إليها الإنسان في المعارف ، مما يلي رتبة الملائكة . ومن أجل هذا هو مكلّف متعبد ، وقاصد نحوه ، منذ يوم خلقه اللّه تعالى إلى يوم يلقاه ، فيوفّيه حسابه ، وهو الغرض الأقصى في وجود النفس وتعلّقها بالأجساد ، ونشوئها معها ، وتتميمها وتكميلها . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أنك إذا أردت النظر في هذا العلم الشريف ، والبحث عن هذا السر اللطيف ، فتحتاج إلى أن تقصد إلى أهله ، وتسألهم عنه ، كما يقصد في سائر العلوم والصنائع إلى أهلها ، كما قيل : استعينوا على كل صناعة بأهلها . واعلم يا أخي أن أهل هذه الصناعة ، وعلماء هذه الأسرار هم إخواننا الكرام الفضلاء . فانظر يا أخي فيما قالوا ، وتأمل ما وصفوه من حقائق