لجرم الأرض ، أو أعظم أو أصغر منها في المقدار ، إذ ليس في القسمة العقلية غير هذه . ثم بحثوا عن واحد واحد من هذه الأقسام الثلاثة ، حتى عرفوا حقيقتها ، كما هو مذكور في كتبهم بشرح طويل . فاعمل أنت يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، في هذه المسألة ، مثل ما عمل هؤلاء في مسألتهم وهو أن تقول : لا يخلو أمر البعث ومعنى القيامة أن تبعث الأجساد دون النفوس ، أو النفوس دون الأجساد ، أو الجميع ، إذ كان ليس في القسمة غير هذه الوجوه الثلاثة ، ثم ابحث وتصفّح عن حقيقة واحد واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، كما نبيّن في هذا الفصل .
اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن من يرى ويعتقد بأن الإنسان ليس هو شيء سوى هذه الجملة المحسوسة : أعني الجسد المؤلّف من اللحم والدم ، والعظم والعروق ، وما شاكلها التي هي كلّها أجسام طويلة عريضة عميقة ، وما يحلّها من الأعراض على البنية المخصوصة التي هي صورة الإنسانية ، فهو لا يتحقّق أمر البعث ، ولا يتصوّر حقيقة القيامة ، إلّا إعادة هذه الأجساد برمّتها ، وتلك الأجرام والأعراض بعينها ، على هذه الحال التي هي عليها الآن ، ثم يحشرون ويحاسبون ، الجسمانيّة والنوازع الجاذبة لها إلى الأسباب الضرورية ، من الجوع والعطش ، والغذاء ، والحرّ والبرد ، والآلام والأوجاع ، والأمراض والأسقام ، والأحزان والمصائب والحدثان ، من جور السلطان ، وحسد الإخوان ، وعداوة الجيران ، ومقاساة غيظ الأقران ، ووساوس الشيطان ، وما هو مكلّف به من حمل ثقل الطاعات ، والجهد في العبادات ، من الصوم والصلوات ، ومنع النفس عن الشّهوات المركوزة في الجبلة ، والعادات المطبوعة ، وما على النفس في البدن من الكليّة مع شدة هذه كلّها ، يرى ويعتقد بأنه محبوس في هذه الدنيا إلى وقت معلوم ، كما قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » لأن المؤمن المحقّ قد سجن نفسه بالمنع لها عن الشهوات
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 304
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٠٤