تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
المطر من الغيم ، فاحتملت القلوب من علم القرآن بحسب اتّساعها في المعارف ، وصفاء جواهر النفوس ، كما تحمل الأودية من سيل المطر بحسب سعتها وجريانها . ثم افهم أن لفظ القلب ليس هو قطعة لحم صنوبريّ الشكل ، المعلّقة من الصدر الموجود في أكثر الحيوانات . وليس المراد من القلب هاهنا ذاك ، بل مراد إخواننا أمر وراء ذلك وهي النفس . واعلم يا أخي أن لفظ البعث اسم مشترك في اللغة العربية يحتمل ثلاثة معان : فمنها قول القائل : بعثت يعني أرسلت ، كما قال اللّه تعالى :
« فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ »
يعني أرسلهم . ومنها ما يكون معنى البعث هو بعث الأجساد الميتة من القبور ، ونشر الأبدان من التراب ، كما وعد الكفار والمنكرين بقولهم :
« أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ »
قال اللّه تعالى :
« قُلْ نَعَمْ »
؛ ومنها بعث النفوس الجاهلة من نوم الغفلة ، وإحياؤها من موت الجهالة ، كما ذكر اللّه ، جلّ ثناؤه ، بقوله :
« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها . »
وقوله تعالى :
« ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . »
وقوله لمحمد ، صلى اللّه عليه وسلم :
« عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً »
. واعلم يا أخي أن من لا يوقن ببعث الأجساد ، ولا يتصوّره ، فليس من الحكمة أن يخاطب ببعث النفوس ، لأن بعث الأجساد يمكن تصوّره ، ويقرب فهمه وعلمه ، فأما من لا يقرّ به ولا يتصوّره ، فهو لبعث النفوس أنكر وبه أجهل ، ومن تصوّره أبعد . لأن بعث النفوس هو من علم الخواصّ ، ولا يتصوره إلّا المرتاضون بالعلوم الإلهية والمعارف الربانية ، وإنما وعد الكفار أن يبعث أجسادهم ، ليوافقهم على تكذيبهم ، ويجازيهم بسوء أفعالهم . ووعد اللّه المؤمنين أن يحيي نفوسهم ، ويبعث أرواحهم ، ليجازيهم على حسناتهم ، ويثيبهم بأعمالهم . فلا تكن يا أخي ممن ينتظر بعث الأجساد ، ويؤمل نشر الأبدان ، فإن ذلك ظلم عظيم في حقك إذا كنت تتوهم ذلك .