تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن من أجلّ نتائج العقول ، وأشرف وجدانها ، الآراء الجيّدة ، والاعتقادات الصحيحة المصلحة لنفوس معتقديها . وذلك أن الآراء الجيدة ، والاعتقادات الصحيحة ، معينة لنفوس معتقديها على الانبعاث من نوم الغفلة ، ومن رقدة الجهالة ، ومحيية من موت الخطيئة ، ومنجية لها من نيران جهنّم وعذاب الهاوية : عالم الكون والفساد ؛ وموصلة إلى نعيم الجنان في دار الحيوان : عالم الأفلاك وسعة السماوات ؛ ومقرّبة لها إلى خالقها ومنشئها ومتمّمها ومكمّلها ومبلّغها أتمّ غاياتها وأكمل نهاياتها عند باريها في دار الخلود ، والمقام هناك ، متنعّمة ملتذّة في دائم الأوقات ، مسرورة أبد الآبدين ودهر الداهرين ، مع النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا . ذلك الفضل من اللّه . ثم اعلم أن أحد الآراء الصحيحة ، المنجية لنفوس معتقديها ، اعتقاد الموحّدين بأن العالم محدث مخترع مطويّ في قبضة باريه ، محتاج إليه في بقائه ، مفتقر إليه في دوامه ، لا يستغني عنه طرفة عين ، ولا عن إمداد الفيض عليه ساعة فساعة ؛ وأنه لو منعه ذلك الفيض والحفظ والإمساك لحظة واحدة ، لتهافتت السماوات ، وبادت الأفلاك ، وتساقطت الكواكب ، وعدمت الأركان ، وهلكت الخلائق ، ودثر العالم دفعة واحدة بلا زمان ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ »
وبقوله تعالى :
« وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ »
. واعلم يا أخي أن من يعتقد هذا الرأي ، ويتحقّق هذا الاعتقاد في أمر السماوات والأرض ، فهو ، في دائم الأوقات ، يكون متعلّق القلب بربه ، معتصما بحبله ، متوكلا عليه في جميع أحواله ، مسندا ظهره إليه في جميع تصرّفاته ، داعيا له في جميع أوقاته ، سائلا منه كلّ حوائجه ، مفوّضا إليه
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 296 | إخوان الصفاء