واعلم يا أخي أن معرفة أمر الآخرة ، على الحقيقة ، في معرفة أمر الدنيا ، لأنهما من جنس المضاف ، ومن خاصّة جنس المضاف أن في معرفة أحد المضافين معرفة الآخر . فالدنيا باسمها تدلّ على اسم الأخرى أن الدنيا مشتقّ من الدّنوّ ، والآخرة مشتقّ من التأخّر . فالدنيا هي أول معلوماتنا ، وأحوالها أول محسوساتنا ، وشعورنا من أجسادنا ، ومشاهدتنا أحوال أجسامنا وأبناء جنسنا . وهذه كلها قبل معرفتنا بنفوسنا ، ومشاهدتنا عالمها ، وعرفاننا أبناء جنسها ، ووجداننا لذات معقولاتها ، لأن هذه تحصل لنفوسنا بعد مفارقتها أجسادها ، كما حصلت تلك لنا بعد ولادة أجسادها ، لأن مفارقة النفس الجسد هي ولادة لها ، كما أن مفارقة الجنين للرّحم ولادة الجسد .
واعلم يا أخي أن الحياة الدنيا إنما هي مدّة كون النفس مع الجسد في عالم الأجسام إلى وقت المفارقة التي هي الممات . وأما الدار الآخرة فهي عالم الأرواح التي هي الحيوان ، لو كانوا يعلمون ، أي أبناء الدنيا ، وهو كون النفس في عالمها بعد مفارقتها جسدها ، ما بقيت السماوات والأرض ، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه فقال اللّه تعالى : فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، وأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض . وقد بيّنّا في رسالة الآلام كيف يكون عذاب الأشقياء في الآخرة ، وكيف تكون لذات السعداء هناك .
واعلم يا أخي أن الموت ليس هو شيء سوى ترك النفس استعمال الجسد ، وأن النفس تترك استعمال الجسد لسببين اثنين : أحدهما طبيعي والآخر عرضي . والسبب الطبيعي هو أن يهرم الجسد على طول الزمان ، وتضعف البنية ، وتكلّ آلات الحواس ، وتسترخي الأعصاب . والعضلات المحرّكات للأعضاء ، وتجفّ الرطوبة المغذّية للبدن ، وتطفأ الحرارة
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 294
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٩٤