تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
الغريزية ، كما يطفأ السراج إذا فني الدّهن ، فعند ذلك لا يمكن أن يعيش الإنسان ، ولا يفعل شيئا من الأفعال والأعمال ، لأن البدن للنفس بمنزلة الدّكّان للصانع ، والأعضاء بمنزلة الأدوات . فإذا كلّت آلات الصانع ، أو انكسرت ، أو خرب الدكان وانهدم ، فإن الصانع لا يقدر على عمل شيء من صنعته ، إلّا أن يتّخذ دكّانا آخر وأدوات مجدّدة . وأما ترك النّفس استعمال الجسد لسبب عرضي فهو كثير الفنون ، ولكن يجمعها نوعان : فمنها أسباب من داخل الجسد ، بلا اختيار ، كالأمراض والأعلال المتلفة للجسد . ومنها أسباب من خارج كالذبح والقتل . والقتل ليس هو شيء سوى أن يقصد قاصد فيهدم بنية الجسد بضرب من الفساد والخراب ، كما يقصد إنسان فيخرب دار إنسان أو دكّانه . واعلم يا أخي أن كل صانع حكيم ، إذا فكّر في أمره ، ونظر في العواقب ، علم أنه لا بد أن يخرب يوما دكّانه ، وتكلّ أدواته ، وتضعف قوة بدنه ، وتذهب أيام شبابه . فمن بادر واجتهد قبل خراب الدّكّان ، وكلال الأدوات ، وذهاب القوة ، فاكتسب مالا بصنعته في دكانه ، واستغنى عن السعي ، فإنه لا يحتاج ، بعد ذلك ، إلى دكان آخر ، ولا أدوات مجدّدة ، بل يستريح من العمل ، ويشتغل بالتمتع واللذات بما قد كسب ، فهكذا يكون حال النفس بعد خراب الجسد . فانظر يا أخي وتفكّر وبادر واجتهد وتزوّد قبل خراب هذا الدكان ، وانهدام هذه البنية
« فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى »
. واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن مواهب اللّه ، عزّ وجل ، لعباده كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى . فمن جليل مواهبه ، وعظيم نعمه ، وجزيل إحسانه ومننه على الإنسان ، العقل الراجح والرأي الرصين ، والتمييز الصحيح ، التي لها نتائج العلوم الحقيقة ، ووجدان المعارف الروحانية ، والتأله الرّبّاني .