تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
« نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ »
فقال اللّه تعالى :
« وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ »
لأنهم لو سئلوا ما الدهر ، لعجزوا عمّا هو الدهر في البيان ، وما دروا ما الدهر . واعلم يا أخي أن المقرّين بالآخرة طائفتان من الناس : إحداهما الذين يقرّون بها بألسنتهم من غير تصوّر منهم لها بقلوبهم ، ولا معرفة بحقيقتها بعقولهم ، فإقرارهم إيمان وتسليم لقول الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، وتقليد لهم فيما يقولون ويخبرونهم عنها . والطائفة الأخرى الذين هم مع إقرارهم بها وتصديقهم للأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، متصوّرون لها بقلوبهم ، عارفون حقيقتها بعقولهم ، وقد مدح اللّه تعالى كلتا الطائفتين جميعا وأثنى عليهم بقوله ، جل ثناؤه :
« يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ »
. ولكن فضّل اللّه إحداهما على الأخرى بقوله :
« هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
. واعلم يا أخي أن العلم هو تصوّر الشيء على حقيقته وصحته ، فأما الإيمان فهو الإقرار بذلك الشيء والتصديق لقول المخبرين عنه من غير تصوّر له . فالأنبياء ، عليهم السلام ، وأولياؤهم هم المخبرون عن الآخرة ، المتصوّرون لها بقلوبهم ، والعارفون حقيقتها بعقولهم . والمؤمنون هم المقرّون بالآخرة بألسنتهم ، المصدّقون الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، في أخبارهم ، المنتظرون لكشفها لهم . واعلم يا أخي أن المنتظرين لأمر الآخرة طائفتان من الناس : إحداهما ينتظر كونها وحدوثها في الزمان المستقبل ، عند خراب السماوات والأرضين ، هم لا يعلمون من الأمور إلّا المحسوسات ، ولا من الجواهر إلّا الجسمانيات ، ولا من أحوالها إلّا ما ظهر . والطائفة الأخرى ينتظرونها كشفا وبيانا واطّلاعا عليها ، وهم الذين يعرفون الأمور المعقولة ، والجواهر الروحانية ، والحالات النفسانية .