تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وقلوب صافية ، وأذن واعية ، وأخلاق طاهرة ؛ وأن يكونوا غير متعصبين في الآراء والمذاهب المختلفة ؛ ومع ذلك يكونون قد ارتاضوا في الرياضات الفلسفية ، من علم العدد والهندسة والمنطق والطبيعيّات ، ثم نظروا في العلوم الإلهيات . وقد ذكرنا في رسائلنا طرفا من ذلك ، وبيّنا فيها ما يحتاج إخواننا من هذه العلوم إليها ، والمعرفة بها ، فانظر يا أخي فيها ، واعتبرها ، وتأمّلها ، ترشد إن شاء اللّه . ثم اعلم يا أخي أن معنى القيامة مشتقّ من قام يقوم قياما ، والهاء فيه للمبالغة ، وهي من قيامة النفس من وقوعها في بلائها . والبعث هو انبعاثها وانتباهها من نوم غفلتها ، ورقدة جهالتها ، وهي بالفارسية رست‌خيزاي ، قياما مستويا . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن كل عاقل لبيب ، إذا تفكر في أمر الدنيا ، وتأمل تصرّف حالاتها بأهلها ، من الكون والفساد ، والتغيّر والاستحالة ، وخاصّة أمر الحياة والممات اللذين مرهون بهما جميع الحيوان ، واعتبر أحوال الماضين من القرون السالفة ، تيقّن أنه لا محالة ميت ، وصائر إلى ما صاروا إليه ، فيودّ ، عند ذلك ، ويتمنى أن يعرف حقيقة أمر الآخرة على صحة وبيان ، ليكون على يقين منها . واعلم يا أخي بأن الناس في أمر الآخرة على رأيين ومذهبين : فطائفة مقرّة بها ، وطائفة منكرة . فالمنكرون أمر الآخرة هم الذين يظنون أن حكم الإنسان بعد الممات كحكم النبات والحيوان . وذلك أنهم لما تأملوا أمرهما ، وتفكروا في كونهما وفسادهما ، واعتبروا أحوالهما ، وجدوا النبات يتكوّن وينشأ ويبلغ إلى غاية ما ، ثم يبلى ويضمحلّ ، ويتكوّن مثله آخر . وهكذا أمر الحيوان يتوالد ويتربّى ، ثم يبلغ إلى غاية ما ، ثم يموت ويهلك ويبلى ، ويتكوّن آخر مثله . فلما وجدوا حكم النبات والحيوان على ما وصفنا ، جعلوا ذلك قياسا على حال الإنسان ، فقالوا :