بعد الموت ، والحشر ، والحساب ، والجزاء ، وثواب المحسنين ، وعقاب المسيئين .
وذلك أن كل إنسان لا يعرف نفسه ، ولا يعلم ذاته ، ولا يعلم ما الفرق بين النفس والجسد ، تكون همّته كلّها مصروفة إلى إصلاح أمر الجسد ، ومرافق أمر البدن ، من لذّة العيش ، والتّمتّع بنعيم الدنيا ، وتمني الخلود فيها ، مع نسيان أمر المعاد وحقيقة الآخرة ! وإذا عرف الإنسان نفسه وحقيقة جوهرها ، صارت همّته ، في أكثر الأحوال ، في أمر النفس ، وفكرته أكثرها في إصلاح شأنها ، وكيفيّة حالها ، بعد الموت ، واليقين بأمر المعاد ، والاستعداد للرحلة من الدنيا ، والتزوّد للمعاد ، والمسارعة في الخيرات ، والتوبة وتجنّب الشر والمنكر والمعاصي .
فإذا فعل ذلك ، يزول عنه خوف الموت ، وربما تمنى لقاء اللّه تعالى ، وهذه صفة أولياء اللّه تعالى وعباده الصالحين ، كما ذكر اللّه سبحانه وأشار إليهم بقوله في كتابه على لسان نبيّه محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، في توبيخه لليهود ، لما زعموا أنهم أولياء اللّه من دون الناس ، فقال لهم :
« فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
بأنكم أولياء اللّه من دون الناس ، وإنما يتمنى أولياء اللّه الموت ، إذا تذكروا ما وعدهم اللّه ، وأعدّه لهم من التحيّة والسلام ، كما قال جل ثناؤه :
« تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ، وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً »
وقال تعالى أيضا :
« وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . »
وقد علم كل عاقل علما يقينا أن أجساد هؤلاء قد بليت في التراب ، وأن هذه الكرامة والتحية والسلام هي لأرواحهم ونفوسهم الطاهرة الزكيّة ، كما ذكر ، جل ثناؤه ، بقوله تعالى :
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي »
وقال تعالى :
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، قَدْ