فصل في ماهية علة فنون المعشوقات
اعلم يا أخي أن كثيرا من الناس يظنون أن العشق لا يكون إلّا للأشياء الحسنة حسب ! وليس الأمر كما ظنوا فإنه قد قيل : يا ربّ مستحسن ما ليس بالحسن ! ولكن العلّة في ذلك هي الاتفاقات التي بين العاشق والمعشوق ، وهي كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه جل ثناؤه ، ولكن نذكر منها طرفا ليكون دليلا على الباقية . وذلك أن الاتفاقات بحسب المناسبات التي بين أجزاء المركّبات . فمن تلك المناسبات ما هي بين كلّ حاسّة ومحسوساتها ، وذلك أن القوة الباصرة لا تشتاق إلّا إلى الألوان والأشكال ، ولا تستحسن منها إلّا ما كان على النّسبة الأفضل ، وهكذا القوّة السامعة لا تشتاق إلّا إلى الأصوات والنغم ، ولا تستلذّ منها إلّا ما كان على النّسبة الأفضل ، كما بيّنا في رسالة الموسيقى .
وعلى هذا القياس سائر الحواسّ كلّ واحدة منها لا تشتاق إلّا إلى محسوساتها ، ولا تستحسن ولا تستلذّ إلّا ما كان منها على النسبة الأفضل بينهما في الآفاق .
ولما كانت تراكيب أمزجة الحواس والمحسوسات كثيرة الفنون ، وكثيرة التغيير ، غير ثابتة على حالة واحدة ، صارت القوى الحسّاسة في إحساسها لمحسوساتها مفنّنة متغيرة ، وذلك أنك تجد واحدا من الناس ، أو من الحيوان ، يستلذّ مأكولا ، أو مشروبا ، أو مسموعا ، أو مشموما ، والآخر لا يستلذه ، بل ربما كان يكرهه ويتألم منه . وهكذا تجد الإنسان الواحد يستلذ في وقت ما شاء ويستحسنه ، وفي آخر يكرهه ويتألم منه . كل ذلك بحسب اختلاف التراكيب وفنون الأمزجة ، وما يعرض لها ، وما يحدث بينها من المناسبات والمنافرات ، وشرحها طويل .
واعلم يا أخي أن الحكمة الإلهية والعناية الربّانية قد ربطت أطراف الموجودات بعضها ببعض رباطا واحدا ، ونظمتها نظاما واحدا . وذلك أن