أن تتبع أمزجة الأبدان في إظهار أفعالها وأخلاقها ومعارفها ، وبخاصّة ما كان أغلب منها في المزاج ، وأقوى في أصل التركيب ، كما بيّنّا في رسالة الأخلاق ورسالة مسقط النطفة : وذلك أن كل إنسان يكون المستولي عليه ، في أصل مولده ، القمر أو الزّهرة وزحل ، فإن الغالب على طبيعته قوة النفس الشهوانية نحو المأكولات والمشروبات والجمع والادّخار لها . وإن يكن المستولي المرّيخ والزّهرة أو القمر ، فإن الغالب على طبيعته شهوة الجماع والمناكح . وإن كان المستولي على أصل مولده الشمس والمرّيخ ، فإن الغالب على طبيعته تكون شهوة النفس الغضبية نحو القهر والغلبة وحب الرئاسة . وإن كان المستولي عليه ، في أصل مولده ، الشمس وعطارد والمشتري ، فإن الغالب على طبيعته تكون شهوات النفس الناطقة نحو المعارف واكتساب الفضائل والعدل .
وقد بيّنّا في رسالة مسقط النّطفة كيف يتقرّر في جبلة الجنين وطبع المولود تأثيرات هذه الكواكب . وبيّنّا في رسالة الأخلاق كيف يعتاد الإنسان باكتساب تلك الطباع ، والأخلاق التي في الطباع ، قبولها وتهيّؤها ، أو ضدّ ذلك . وإذ قد فرغنا من ذكر ما احتجنا إلى أن نذكره ، فنرجع الآن إلى تفسير قول من قال من الحكماء : إن العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد ، فنقول : إن الاتحاد هو من خاصّيّة الأمور الروحانية ، والأحوال النفسانية ، لأن الأمور الجسمانية لا يمكن فيها الاتحاد ، بل المجاورة ، والممازجة ، والمماسة لا غير . فأما الاتحاد فهو في الأمور النفسانية ، كما سنبيّن في هذه الفصول .
واعلم يا أخي أن مبدأ العشق وأوله نظرة أو التفات نحو شخص من الأشخاص ، فيكون مثلها كمثل حبة زرعت ، أو غصن غرس ، أو نطفة سقطت في رحم بشر . وتكون باقي النظرات واللحظات بمنزلة مادة تنصبّ إلى هناك ، وتنشأ وتنمي على ممرّ الأيام ، إلى أن تصير شجرة أو
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 273
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٧٣