جنينا ؛ وذلك أن همّة العاشق ومناه هو الدنوّ والقرب من ذلك الشخص .
فإذا اتفق له ذلك وسهل ، تمنى الخلوة والمجاورة . فإذا سهل ذلك تمنى المعانقة والقبلة . فإذا سهل ذلك تمنى الدخول في ثوب واحد ، والالتزام بجميع الجوارح أكثر ما يمكن . ومع هذه كلها الشوق بحاله لا ينقص شيئا بل يزداد وينمو كما قيل :
أعانقها ، والنفس بعد مشوقة * إليها ، وهل بعد العناق تداني ؟
وألثم فاها كي تزول صبابتي ، * فيزداد ما ألقى من الهيمان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ، * سوى ما يرى : زوجان ممتزجان
ثم اعلم أن روح الحياة إنما هو بخار رطب يتحلل من الرطوبة والدم ، وينشأ في جميع البدن ؛ ومنها تكون حياة البدن والجسم ، ومادة هذه الروح من استنشاق الهواء بالتنفّس دائما لترويح الحرارة الغريزيّة التي في القلب . فإذا تعانق العاشق والمعشوق جميعا ، وتباوسا ، وامتصّ كل واحد منهما ريق صاحبه وبلعه ، وصلت تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما ، وامتزجت هناك مع الرطوبات التي في المعدة ، ووصلت إلى جرم الكبد ، واختلطت بأجزاء الدم هناك ، وانتشرت في العروق الواردة إلى سائر أطراف الجسد ، واختلطت بجميع أجزاء البدن ، وصارت لحما ودما وشحما وعروقا وعصبا وما شاكل ذلك .
وهكذا أيضا إذا تنفّس كل واحد منهما في وجه صاحبه ، خرج من تلك الأنفاس شيء من نسيم روح كل واحد منهما ، واختلط بأجزاء الهواء . فإذا استنشقا من ذلك الهواء ، دخلت إلى خياشيمهما أجزاء ذلك النسيم مع الهواء المستنشق ، ووصل بعضه إلى مقدّم الدّماغ ، وسرى فيه كسريان النور في جرم البلّور ، واستلذّ كلّ واحد منهما ذلك التّنسّم . ووصل أيضا من أجزاء ذلك الهواء المستنشق بعض إلى جرم الرّئة في الحلقوم ، ومن الرّئة