تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ومنها محبة البرّ والإحسان ، وما يقال فيهما من المدح والثناء ، كأنه شيء مجبول في طباع البشر ، مركوز في نفوسهم ، لما فيه من الحث على مكارم الأخلاق . ومنها محبة أبناء الجنس وما يسمّى العشق ، وما يصف العشّاق من أحوالهم وأحوال معشوقهم ، وما يجدون في نفوسهم من الأفكار ، والهموم والأحزان ، والفرح والسرور ، والنشاط ، وما يذكرون من الأخلاق الجميلة ، والطرائق الحميدة ، وما يذمّون من الأخلاق المذمومة ، والأحوال المرذولة ، قالوا : لو لم يكن العشق موجودا في الخليقة ، لخفيت تلك الفضائل كلّها ، ولم تظهر ، ولم تعرف تلك الرذائل أيضا ! فقد بان وتبيّن ، إذا بما ذكرنا ، أن المحبة والعشق فضيلة ظهرت في الخليقة ، وحكمة جليلة ، وخصلة نفيسة عجيبة . ذلك من فضل اللّه على خلقه ، وعنايته بمصالحهم ، ودلالة لهم عليه ، وترغيبا لهم فيما أمر به من المزيد . واعلم يا أخي أن محبوبات النفوس ومعشوقاتها مفنّنة ، وهي بحسب مراتبها في العلوم ، ودرجاتها في المعارف . وذلك أن النفس الشهوانيّة لا يليق بها محبّة الرئاسة والقهر والغلبة ، ولا النفس الحيوانية يليق بها محبّة العلوم والمعارف ، واكتساب الفضائل ؛ ولا النفس الملكية يليق بها محبّة الأجساد والكون مع الأجسام اللحميّة والدموية ، بل الذي يليق بها محبّة فراق الأجساد ، والارتقاء إلى ملكوت السماء ، والسّيحان في سعة فضاء الأفلاك ، والتّنسم من ذلك الرّوح والرّيحان المذكور في القرآن . ومن أجل هذا الذي ذكرنا من مراتب النفوس وما يليق بها من المعشوقات ، أنّك لا تجد ولا ترى نفسا تحبّ وتعشق وتشتاق إلّا لأبناء جنسها ، وما شاكلها من المحبوبات والمعشوقات . مثال ذلك أنفس الصّبيان والناقصين من الناس ، فإنهم لا يحبون ولا يعشقون إلّا اللّعب والتماثيل المصوّرة والمزيّنة ، المشاكلة لمرتبة نفوسهم ، فإذا عقلوا وتعلّموا وارتاضوا ، ارتفعت هممهم وشغلت نفوسهم بغيرها مما هو أشدّ تحقيقا مما كانوا فيه . وهو الصورة من