إلى جرم القلب مع النّبض في العروق الضوارب إلى جميع أجزاء الجسد ، واختلط هناك بالدم واللحم ، وما شاكل ذلك من أجزاء الجسد ، وانعقد في بدن هذا ما تحلّل من جسد هذا ، وفي بدن هذا ما تحلل من جسد ذاك ، فيكون من ذلك ضروب ، ومن المزاجات من تلك الأمزجة ضروب الأخلاط ، ومن تلك الأخلاط ضروب الأخلاق . كلّ ذلك بحسب أمزجة أبدانها .
ومن شأن النفس أن تتبع مزاج البدن في إظهار أفعالها وأخلاقها ، لأن مزاج الجسد ، وأعضاء البدن ، ومفاصله للنفس بمنزلة آلات وأدوات للصانع الحكيم يظهر بها ومنها أفعاله . فلهذه الأسباب والعلل التي ذكرناها يتولّد العشق والمحبة ، على ممرّ الأيام ، بين المتحابّين ، وينشأ وينمو . فأما الذي يتغيّر من المحبة ويفسد بعد التأكيد ، فلأسباب يطول شرحها ، ولكن نذكر أولا ما العلّة في محبة شخص لشخص ، دون سائر الأشخاص ، فنقول : إن العلة في ذلك اتفاق مشاكلة الأشخاص الفلكية في أصل مولدهما بضرب من الضروب الموافقة من بعض لبعض ، وهي كثيرة الفنون ، ولكن نذكر منها طرفا ليكون دليلا على الباقية . فمنها أن يكون مولدهما ببرج واحد ، أو ربّ البرجين كوكب واحد ، أو يكون البرجان متفقين في بعض المثاني كالمثلّث ، أو تكون مطالعهما متساوية ، أو ساعات نهارهما متفقة ، وما شاكل ذلك مما يطول شرحه - يعرف حقيقة ما قلنا أصحاب الأحكام الناظرون في مواليد الناس .
وأما تغير العشق بعد ثباته زمانا طويلا فهو تغيّر أشكال الفلك في تحاويل سني مواليد الناس ، وسير درجة الطالع وتنقّلها في حدود البروج والوجوه ؛ وهكذا تسييرات شعاعات الكواكب في أبراج الانتهاءات في مستقبل السنين .
واعلم يا أخي أن كل الكائنات التي دون فلك القمر ، فهي مربوطة الأحوال بحركات الأشخاص الفلكية ، كما بيّنّا في رسالة ماهيّة الطبيعة ، ورسالة الأدوار والأكوار ، ورسالة الأفعال الروحانية .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 275
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٧٥