ومن الحكماء من قال إن العشق هو هوى غالب في النفس نحو طبع مشاكل في الجسد ، أو نحو صورة مماثلة في الجنس . ومنهم من قال إن العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد ، ولهذا فأيّ حال يكون عليها العاشق يتمنى حالا أخرى أقرب منها ، ولهذا قال الشاعر « 1 » :
أعانقها ، والنفس بعد مشوقة * إليها ، وهل بعد العناق تداني ؟
وألثم فاها كي تزول صبابتي ، * فيزداد ما ألقى من الهيمان
كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله ، * سوى أن يرى الرّوحين يمتزجان
وهذا القول أرجح ما قيل فيه ، وألطف ما أشير إليه . ونحتاج أن نشرح هذا الباب لتتّضح حقيقته ، وتعرف أسبابه ، ولكن لما كان الاتحاد هوى نفسانيّا ، وتأثيرا روحانيّا ، احتجنا إلى أن نذكر أنواع النفوس ، وأنواع معشوقاتها ، وعلل تلك وأسبابها . وأما الفرق بين العلل والأسباب ، فهو أن العلل كائنة في طباع النفوس ، والأسباب خارجة منها ، كما سنبين بعد هذا الفصل .
واعلم يا أخي أن النفوس المتجسدة لما كانت ثلاثة أنواع ، كما قالت الحكماء والفلاسفة ، صارت معشوقاتها أيضا ثلاثة أنواع : فمنها النفس النباتية الشهوانية ، وعشقها يكون نحو المأكولات والمشروبات والمناكح . ومنها النفس الغضبية الحيوانية ، وعشقها يكون نحو القهر والغلبة وحبّ الرئاسة .
ومنها النفس الناطقة ، وعشقها يكون نحو المعارف واكتساب الفضائل .
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أنه ليس أحد من الناس يخلو من نوع من هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرناها ، أو يكون آخذا بنصيب من كل واحد منها قلّ أو كثر . والعلّة في ذلك أنه لما كان من شأن النفوس
هامش
( 1 ) الشاعر : ابن الرومي .