تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
أوجها . فإذا نزلت الشمس أول السّرطان ، تناهى طول النهار وقصر الليل في الأقاليم كلها ، وأخذ النهار في النّقصان والليل في الزيادة ، وانصرف الربيع ، ودخل الصيف ، واشتدّ الحر ، وحمي الجو ، وهبّت السمائم ، ونقصت المياه ، ويبس العشب ، واستحكم الحبّ ، وأدرك الحصاد والثمار ، وأخصبت الأرض ، وكثر الرّيف ، ودرّت أخلاف النّعم « 1 » ، وسمنت البهائم ، واتّسع للناس القوت من الثمار ، وللطير من الحبّ ، وللبهائم من العلف ، وصارت الدنيا كأنها عروس منعّمة ، بالغة تامّة كاملة ، كثيرة العشاق . فلا يزال ذلك دأبها ودأب أهلها ، إلى أن تبلغ الشمس آخر السّنبلة وأوّل الميزان . فإذا نزلت الشمس أول الميزان ، استوى الليل والنهار مرّة أخرى ، ثم ابتدأ الليل بالزيادة على النهار ، وانصرف الصيف ، ودخل الخريف ، وبرد الهواء ، وهبّت الشّمال ، وتغيّر الزمان ، ونقصت المياه ، وجفّت الأنهار ، وغارت العيون ، وجفّ النبت ، وفنيت الثمار ، وديست البيادر ، وأحرز الناس الحبّ والثمار ، وعري وجه الأرض من زينتها ، وماتت الهوامّ ، وانجحرت « 2 » الحشرات ، والطير والوحش تنصرف لطلب البلدان الدافئة ، وأحرز الناس القوت للشتاء ، ودخلوا البيوت ، ولبسوا الجلود والغليظ من الثياب فرارا من البرد ، وتغير الهواء ، وصارت الدنيا كأنها كهلة مدبرة قد تولّت عنها أيام الشباب . فإذا بلغت الشمس آخر القوس وأول الجدي ، تناهى طول الليل وقصر النهار ، ثم أخذ النهار في الزيادة على الليل ، وانصرف الخريف ، ودخل الشتاء ، واشتد البرد ، وخشن الهواء ، وتساقط ورق الشجر ، ومات أكثر النبات ، وانحجز أحسن الحيوانات في باطن الأرض وكهوف الجبال ، من شدة البرد وكثرة الأنداء ، وكثرت ونشأت الغيوم ، وأظلم الجو ،
هامش
( 1 ) أخلاف النعم : ثدي الإبل . ( 2 ) انجحرت : دخلت في أجحارها ، أي مخابئها التي تحتفرها .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 262 | إخوان الصفاء