تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١

فصل

واعلم يا أخي أن الذي يحدث عن هذه الحركات ، في هذه المدّة ، في هذا العالم ، وعن أحوال هذه الكواكب ، من الفنون المختلفة ، والحالات المتغايرة ، أشياء لا يحيط علما بكثرتها إلّا اللّه تعالى ، ولكن نذكر منها طرفا ليكون دليلا على الباقية ، ونبدأ أولا بذكر الزمان وأحواله ، وأرباعه وتغيّرات الهواء . وذلك أنه إذا ابتدأت الشمس بحركتها في أول برج الجدي صاعدة من الجنوب نحو الشّمال ، ومن الحضيض نحو الأوج ، مرتفعة في الفلك ، أخذت الطبيعة عند ذلك بمعاونتها ، بإذن الباري ، جلّ وعز ، في جذب الرطوبات المختلفة بالتراب من الأمطار ، وامتصاصها في عروق الشجر والنبات إلى أصولها وقضبانها ، وإمساكها هناك بالقوة الماسكة ، وذلك دأبها إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت . فإذا نزلت أول دقيقة من برج الحمل ، فهو الرّبع الربيعي ، استوى الليل والنهار في الأقاليم ، واعتدل الزمان ، وطاب الهواء ، وهب النسيم ، وذابت الثلوج ، وسالت الأودية ، ومدّت الأنهار ، ونبعت العيون ، وارتفعت الرطوبات إلى أعلى فروع الأشجار ، ونبت العشب ، وطال الزرع ، ونما الحشيش ، وتلألأ الزهر ، وأورق الشجر ، وتفتّح النّور ، واخضرّ وجه الأرض ، وتكوّنت الحيوانات والدبيب « 1 » ، ونتجت البهائم ، ودرّت الضّروع ، وانتشرت الحيوانات في البلاد عن أوطانها ، وطاب عيش أهل الوبر ، وطلب أعلى السطوح أهل المدن ، وأخذت الأرض زخرفها ، وفرح الناس والحيوان أجمع بطيب نسيم الهواء ، وازّيّنت الأرض ، وصارت كأنها جارية شابّة قد تزيّنت وتحلّت للناظرين . فلا تزال تلك حال الدنيا وأهلها من الحيوان والنبات ، إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء : رأس
هامش
( 1 ) الديب : الهوام الصغيرة التي تلعب بالماء .