تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ »
. فهذه العلة هي السبب في اختلاف الآراء والمذاهب . وإذا كان كذلك ؛ يجب على طالب الحق والراغب في النجاة أن يطلب ما يقرّبه إلى ربه ويخلّصه من بحر الاختلاف ، والخروج من سجون أهل الخلاف ، وما الذي ينبغي له أن يعمل حتى يتخلص من هذه الورطة ، وينتبه من هذه الرقدة ، ويستيقظ من هذه الغفلة ، وينظر في أيام حياته قبل دنوّ وفاته ، فإن الأمل مدّة ممدودة ، وللأعمال أيام معدودة ، وآجال محدودة ، وإنما خلق الإنسان في الدنيا ليكون متوجّها إلى ربه تعالى ، مستعدّا لمقابلته بعمله ، لأنه يهنفذ من غير أن يستأذن . فإن كان معه زاد وجده كما قال تعالى :
« وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ »
فإنه لزاد . وإن لم يكن معه زاد كان ممن يقول :
« يا لَيْتَنا
نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ »
واللّه تعالى يقول :
« قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ »
ووبخ قوما فقال له :
« وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ »
أي صفرا من الزاد . وقال :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ »
وقال تعالى :
« وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ . »
وآيات كثيرة في القرآن تدلّ على أن الديانات والشرائع ووظائف العبادات إنما جعلها اللّه طرقات ومسالك يسلكها العبد إلى رحمة خالقه ويمشي القاصد بها طالبا لجنّته والقرار بجواره . وإن غفل عن مصالحه ، وأعرض عن مقاصده ، وترك طريق الحق وأهله ، والدين الذي لا اختلاف فيه ، وانضم إلى أهل الخلاف والشّقاة ، وإلى طالبي الرئاسة من العوامّ ، واستحسن نسق الكلام وزخرف القول ممن يريد العلوّ والرئاسة في دين اللّه تعالى تشبّها برسوله الذي أرسله ، ونبيه الذي بعثه ، وهو يوهم الناس أنه ركن من أركان الدين والشريعة ، وأنه برأيه وقياسه واجتهاده قد أقام معوجّها وأبان معجمها ، نعوذ بالله من الميل والانضمام إلى