فقالا : وكيف نؤذيك في بستانك ، ونحن على ما ترى من الزمانة « 1 » وسوء الحال ، أحدنا أعمى والآخر مقعد . وأي حيلة لنا في تناول شيء من الثمار وهي على رؤوس الأشجار ؟
فقال صاحب البستان لهما : ادخلا ذلك المكان ، وتبوّآ مكانا منه .
وأوصى بهما الناطور الموكّل بالبستان ، وقال له : احفظهما وأحسن إليهما وأتهما من ثمرة هذا البستان ما يكون فيه صلاح شأنهما .
فقال : سمعا وطاعة .
ومضى صاحب البستان لشأنه ، وأقاما على ذلك مدة ، والناطور يتعهدهما بما فيه كفاية لهما . وأينعت الثمار ، وكثرت وحسنت ، فقال المقعد يوما للأعمى : ويحك ، إنك صحيح الرّجلين ، وإن في هذه الأشجار التي في هذا البستان أنواعا من الثمرات وأجناسا من الطيبات ، وهذا الناطور لا يحمل إلينا من هذا الجيّد شيئا ، فما الحيلة في تناول ذلك ؟
فقال الأعمى : قد شوّقتني إلى ما ذكرت ، وإنك ترى وتعاين من هذه الطيبات وأصناف الثمرات ، فما الحيلة في ذلك ؟
فلم يزالا يفكّران ويعملان الرويّة إلى أن قال المقعد للأعمى : ويحك ، أنا صحيح العين أرى ما غاب عنك ، فاحملني على كتفك لأطوف بك في البستان ، فكلما رأيت ثمرة مليحة طيبة ، قلت لك : قدّمني يمنة ويسرة وتطاول وتقاصر ، فأقطفها لك فآكل منها وأطعمك ، وما اعتذر وصول يدي إليه ، أضربه بعصاك إلى أن يقع ، فتشيله بيدك أنت ، وليكن ذلك إذا غفل الناطور .
فقال الأعمى : نعم ما رأيت ، وأنا أفعل ذلك غدا .
فلما كان الغد ، ذهب الناطور في حوائجه ، وأغلق باب البستان ، فركب
هامش
( 1 ) الزمانة : العاهة .