تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
لان أكثرهم متفقون في الأصول ، مختلفون في الفروع . مثاله أنهم مقرّون كلهم بتوحيد اللّه ووصف الباري تعالى بما يليق به من الصفات ، ومقرّون بالنبي المبعوث إليهم ، متمسكون بالكتاب المنزل من جهة الرسول المرسل إليهم ، مقرّون بإيجاب الشريعة ، مختلفون في الروايات عنه ، والمعاني التي وسائطها رجال أخذوها منه ، فرواها كلّ من أخذ بلسانه ، لأن النبي ، صلى اللّه عليه وآله ، من معجزاته وفضله أنه كان يخاطب كلّ قوم بما يفهمون به بحسب ما هم عليه من حيث هم ، وبحسب ما يتصوّرونه في نفوسهم وتدركه عقولهم ، فلذلك اختلفت الروايات ، وكثرت مذاهب الديانات ، واختلفوا في خليفة الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، وكان ذلك من أكبر أسباب الخلاف في الأمة إلى حيث انتهينا . وأيضا فإن أصحاب الجدل والمناظرات ، ومن يطلب المنافسة في الرئاسة اخترعوا من أنفسهم في الديانات والشرائع أشياء كثيرة لم يأت بها الرسول ، عليه السلام ، وما أمر بها ؛ وابتدعوها وقالوا للعوام من الناس : هذه سنّة الرسول ، عليه السلام ، وسيرته . وحسّنوا ذلك لأنفسهم حتى ظنوا أن ما قد ابتدعوه حقيقة ، وأن النبي ، عليه السلام ، أمر به . وأحدثوا في الأحكام والقضايا أشياء كثيرة بآرائهم وقياسهم ، وعدلوا بذلك عن كتاب ربهم وسنّة نبيهم ، عليه السلام ، واستكبروا عن أهل الذّكر الذين بينهم ، وقد أمروا أن يسألوهم عما أشكل عليهم . وظنوا بسخافة عقولهم أن اللّه قد ترك أمر الشريعة وفرائض الديانة ناقصة ، حتى يحتاج هؤلاء إلى أن يبينوه بآرائهم الفاسدة وقياساتهم الكاذبة ، واجتهادهم الباطل ، ويخترعوه ويبتدعوه من ذواتهم . وكيف يكون ذلك وهو يقول تعالى :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ »
وقال :
« تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ . »
وإنما فعلوا ذلك طلبا للرئاسة كما بيّنّا آنفا ، وأوقعوا الخلاف والمنازعة في الأمّة ، فهم يهدمون الشريعة ، ويوهمون من لا يعلم أنهم ينصرونها .