المقعد عنق الأعمى ، وطاف به البستان ، فأفسدا فيه ذلك اليوم ما قدرا عليه ، ووصل المقعد عليه . ثم رجعا إلى موضعهما ورقدا . فلما جاء الناطور لم يخف عليه ما حدث في البستان من فساد الثمار ، وما كان غيّر عليه منها في أشجار معلومة أراد قطافها ليهديها إلى بعض رؤساء الناحية فلم يجده على الشجرة . فجاء إليهما وسألهما : هل دخل ذلك البستان أحد في غيبتي ؟
فقالا له : ما ندري . فقال الأعمى : ترى حالي أني لا أبصر . وقال المقعد :
وأنا كنت نائما .
فصدقهما الناطور . فلما كان الغد خرج الناطور على الرّسم ، فقاما وفعلا أقبح من فعلهما الأول . وعاد الناطور ورأى الفساد قد تضاعف عما كان بالأمس ، فخاف الملامة من صاحب البستان ، وأنه يقول : لعلك تبيع ثماري أو لست تحفظها . فقال : كيف أعمل حتى أعلم من الذي يصيب هذا البستان ، ومن يفعل ذلك في البستان ؟
فلما كان من الغد أوهمهما أنه قد خرج لعادته ، واستتر ببعض حيطان البستان ، فقاما إلى ما قد عوّلا عليه من الفساد وارتكاب المحظور . فلما رآهما الناطور علم أن الفساد من جهتهما ، وكان رجلا حليما رحيما لطيفا ، فتركهما حين رأى ما يعملانه ، وقبيح ما يصنعانه ، إلى أن عادا إلى مكانهما ، فأقبل عليهما وقال لهما : ويحكما ، ما الذي استحقّ به صاحب البستان ما فعلتماه ومن هذا العبث والفساد في البستان ؟
فبهتا . . . فقال الناطور : إني نظرت إليكما وقد قمت أيها المقعد في كتف عنق الأعمى ، ومشى بك تحت الشجرة ، فما وصلت إليه أخذته بيدك ، وما لم تصل إليه ضربته بعصاك .
فلما سمعا منه ذلك تحقق كلاهما أنه قد رآهما ، فقالا له : قد فعلنا ذلك ، فلا تخبر به صاحب البستان ، فإنّا نتوب على يديك ، ولا نعاود .
فقبل منهما ، وأقبل الناطور يعظهما ، وقال : أنا آتيكما بكلّ ما تريدان من
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 158
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٥٨