هؤلاء ، كان ذلك سبب بواره وهلاكه وبعده عن جوار اللّه ، وقربه ، وقرن بالشياطين أعداء اللّه كما قال تعالى :
« وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ »
فهكذا يكون حاله مع عالمه وغيره ، تراه جميع العوامّ ، حاله شقية ، وكلامه وتهذيبه وألفاظه بعيدة من حيث لا يشعر ، لأنه إذا حلّل بقوله وحرّم برأيه فقد عبده كما قال تعالى :
« إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ »
وقال تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ . »
فعليك أيها الأخ بأهل العلم ومواظبة الذين هم أهل الذّكر من أهل بيت النبوّة المنصوبين لنجاة الخلق ، فقد قيل : استعينوا في كل صنعة بأهلها .
ثم اعلم بأن أهل الذّكر في بعض الوجوه هو العقل الذي يذكّر النفس ما غاب عنها من أمر عالمها الروحاني ومحلّها النوراني ، ويحرّضها على المتاجر الرابحة ، ويحثّها على الأعمال الصالحة . وأن النفس متى عدلت عنه وخالفته وتركت وصيّة ربها ، وما أمر مولاها ، وأقبلت على الطبيعة ومالت إلى استحسانها ، وطلب الرئاسة والعلو ، والتعصب والتعدي ، أصابها مثل ما أصاب المقعد والأعمى اللذين خالفا وصية صاحب البستان .
( حكاية )
ذكر فيما يروى من الأمثال أنه كان ببلاد الهند رجلان : أعمى ومقعد ، اصطحبا في طريق ، فعبرا بستانا ، فما لا إليه ، فرآهما صاحب البستان ، وشاهد فقرهما ومسكنتهما ، فرحمهما وقال لهما : ما تقولان في أن أدخلكما بستاني هذا ، فتأويان إليه ، وتتناولان منه بحسب الحاجة ما يكفيكما مما آتيكما . فلا تولعا بالثمار فتفسداها .