تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
بحسب اتفاقات تقع لهم في مواليدهم وبقاعهم وأمزجتهم وطباعهم وأبدانهم وأهويتهم ، حتى صارت أنواعا كثيرة ، وصار لكل قبيلة من قبائل العرب لغة يعرفون بها ، وكلام ينسب إليهم ويتميزون به عن غيرهم . واختلفوا في أسماء الأشياء ، حتى صار الشيء الواحد من الموجودات له في لغة العرب أسماء كثيرة يعرف بها ويشار إليه بها كلّها ، ولذلك صار علم اللغة العربية من العلوم الكبار ، وصار الناس من الحاجة إليه بحيث لا يسعهم تركه ، بل يجب عليهم علمه ، ولا ينبغي الجهل بشيء منه ، وذلك من حكمة البارئ تعالى أنه خلق الموجودات ، وألقى عليها الأسماء والصّفات ، وجعل لها في كل طائفة وفي كل لغة أسماء تعرف بها ويشار بها إليها خلاف ما في لغة أخرى . ولو تأملت واعتبرت لغات العرب ، لرأيتها من العجائب الطريفة ، والحكمة الشريفة . فانظر كيف اختلفوا في كثير من كلامهم وما هم محتاجون إليه من أسماء مأكولهم ومشروبهم ، وقد جمعتهم لغة واحدة ، وشريعة واحدة ، حتى إن القرّاء اختلفوا في قراءاتهم وتباينوا في رواياتهم . وكذلك تجد في اللغات غير اللغة العربية أكثر ، والأمر فيها أصعب ، وعلى هذا المثال في الآراء والديانات أيضا ، حتى إن كثيرا من العرب الذين يسكنون البراري البعيدة من العمران من يجري في لغته أسماء كثيرة لا يعرفها من باقي العرب أكثرهم ، ولا يعرفها العرب الحاضرة إلّا بعد البيان والإيضاح ، ويحتاج فيه إلى معرفة اشتقاقاتها ، حتى تتصوّر له ، ثم يسمّي ذلك الشيء بذلك الاسم ، كل ذلك لعلل وأسباب يطول شرحها . وكذلك اختلفت المذاهب والآراء والديانات والاعتقادات فيما بين أهل دين واحد ، لافتراقهم في موضوعاتهم ، واختلاف لغاتهم وأهوية بلادهم ، وتباين مواليدهم ، وتصوّر رؤسائهم وعلمائهم وأستاذيهم الذين يختلفون فيما بينهم طلبا لرئاسات الدنيا . وقد قيل في المثل خالف تذكر ، لأنه لو لم يقع بين رؤساء علمائهم الاختلاف ، لم تكن لهم رئاسة ، وكانوا شرعا سواء ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 152 | إخوان الصفاء