تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
والشهوة والأكل والشرب والنكاح والحسّ والألم واللذة والأمور الحيوانية . والإنسان إنما يتميز عن الحيوان بالنّطق والتمييز والقوة العاقلة . وقيل إن لبعض الحيوانات فكرا وتمييزا وهي النحل والنمل . وأما إدراكه أصوات الهواء والنار فلما بينه وبينها من المناسبة لأنه مهيّأ منها كما ذكرنا في رسالة الهيولى والصورة . واعلم يا أخي أنه لولا المناسبة التي بين الحيوان الحيّ وبين الجمادات الميتة ، لما كان يدرك من المعرفة بها والإحاطة بخبرها قليلا ولا كثيرا . فإن قال قائل : لم لا يعرف الصبي الصغير هذه الأشياء على حقيقتها ، وبينه وبينها النسبة موجودة ؟ قيل : إن ذلك لعجز في الهيولى عن القبول ، لا لغلط من الخالق تعالى
« ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
يخلق ما يشاء كما يشاء بلا اعتراض عليه ، وبحكم ما يريد بلا غرض ، جلّ جلاله !

فصل في اختلاف الأصوات في الصغر والكبر

فنقول : اعلم أن حدوث الأصوات يكون من تصادم الأجسام بعضها ببعض ، فنقول : إن كل جسمين تصادما برفق لا يسمع لهما صوت ، لأن الهواء ينسلّ من بينهما قليلا قليلا ، فلا يحدث صوتا ، وإنما يحدث الصوت من تصادم الأجسام إذا كانت صدمتها بسرعة ، فينضغط الهواء عند ذلك ، وتتدافع أمواجه ، وتتموّج حركته إلى الجهات الست بسرعة ، فيحدث الصوت ويسمع كما بينّا فيما تقدم . والأجسام الكبار العظام إذا تصادمت يكون اصطدامها أعظم من أصوات ما دونها ، لأن تموّج هوائها أكثر . وكل جسمين من جوهر واحد ، مقدارهما واحد وشكلهما واحد ، إذا تصادما معا ، فإن صوتيهما يكونان متساويين . فإن كان أملس فإن صوتيهما يكونان أملس من السطوح المشتركة ، والهواء المشترك بينهما أملس . والأجسام